منها أنه ليس من المهاجرين ، ولا ممن شهد بدرا ولا أحدا ، ولا
لقى في الله ما لقى نظراؤه عند الناس كبلال وصهيب ، وخباب وعمار ،
ولا كان من الذين آووا ونصروا ، وذكروا في القرآن وقدموا .
وكان حديث الاسلام قليل المشاهد ، وإنما أسلم حين انحسرت الشدة
وانكشف عنهم معظم الكربة ، ولكنه كان من الصالحين ومن الفضلاء
المخلصين ، وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم وجيها ، وعند خلفائه
مقربا ، وقد قال النبي فيه قولا حسنا ، ولكنه ليس من الأكفاء في
الإمامة وموضع الشورى والخلافة ، فيكون قوله حجة تنتقض به الإمامة ،
وطعنه عليه يصرف الخلافة .
ثم آخر : أنا قد وجدناه ولى لعمر بن الخطاب على المدائن ، يقيم له
الحدود ويجبى له الخراج ، ويدعو له على المنبر ، ويؤكد له خلافته ،
وينفذ أمره ، مطيعا غير مكره ، ومخلى غير مقصور ، فولايته لعمر
دليل على تصويب أبى بكر ، ومطيع عمر أذعن لأبي بكر ، ومعظم عمر
أشد تعظيما لأبي بكر .
ولقد كان يخرج آذن عمر والناس ببابه فيجعله في الفوج الأول .
حتى روى عن أبي سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو في ذلك كلام
مشهور : من ذلك أنهم كانوا بباب عمر في جلة من قريش والعرب ،
مثل عيينة بن حصن وغيره ، إذ خرج آذن عمر فقال : أين بلال ؟ أين
سلمان ؟ أين صهيب ؟ أين عمار ؟ ادخلوا . فتغيرت وجوههم واستبان
الجزع فيهم ، فأقبل عليهم سهيل بن عمرو واعظا ، ومعربا ( 1 ) ومذكرا ،
هامش
( 1 ) التعريب : التبيين والايضاح .