وهذا ما لا يجوز في عقل ، ولا يسنح في فكر ، ولا يجوز في التعارف ،
ولا يليق بالبيان .
وكيف والله يقول على اتصال اللفظ باللفظ والمعنى بالمعنى . وتركيب
الآية الأخرى على الأولى : " وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة
الله هي العليا " .
ولا كافر أعظم كفرا ، ولا أشد عنودا من ثانيه وصاحبه في الغار ، ورفيقه
في الطريق ، والمعزى لشدة حزنه . إن كان الشأن على ما قالوا وكما وصفوا .
وإنما المنافقة ( 1 ) أن يكون الرجل معتقدا لجحد الرسول وعداوته
ولكن الرسول هو الغالب على داره القاطع لمن بادأه بالعداوة . وناوأه
في الفضيلة ، فإنما يستبقى نفسه بنفاقه . وبتزميل حقده ، وإخفاء ضغنه .
فأما رجل مقيم بمكة قليل مفرد ، وذليل مطرد ، وخائف مشرد ، بين
استخفاء يعدل الموت ، أو هرب يقطع الأحشاء ، والذي هرب معه مقهور
مخذول ، والغالب على داره عدوه ، فكيف كان أبو بكر منافقا والحال
على ما وصفنا ؟ !
ولولا كثرة الفساد وما عم الناس من الغلط وفحش الخطأ ما كان
لذكر هذا وشبهه معنى .
والأثر المجتمع عليه من أصحاب السير والاشعار والاخبار ، أن النبي
صلى الله عليه قال لحسان : أما قلت في أبى بكر شيئا ( 2 ) ؟ فأنشأ يقول :
هامش
( 1 ) في الأصل : " المنافقون " .
( 2 ) في البيان 3 : 361 أن الأبيات رثاء في أبى بكر . وانظر ما كتبت هناك في حواشيه
وكذا جمهرة أشعار العرب ص 13 وصفة الصفوة 1 : 89 .