قدر الكتاب :
لو لم يكن من قدر هذا الكتاب إلا أنك تقرأ من قلم الجاحظ ثمانين صفحة
ومائتين لكفى ذلك فضلا له ، فإن ما كتبه الجاحظ في كتابيه " الحيوان "
و " البيان والتبين " يعد بالنسبة إلى النصوص والنقول التي حشدها في ذينك
الكتابين شيئا ليس بالغالب . وأما العثمانية فهي صوغ كريم للجاحظ . ومتاع
لدارس المسائل الدينية ، والقضايا التاريخية والسياسية التي نجمت في فجر الاسلام
وأوائل الدول الاسلامية . وهو كذلك معرض كبير للجدال والحجاج الفكري
في عصر من أزهى العصور الاسلامية الأولى .
نقض العثمانية :
ظهر كتاب العثمانية في زمان كثر فيه الجدال والنزاع حول العصبية الدينية
والسياسية ، وكان المعتزلة في أوج قوتهم ونشاطهم . ويبدو كذلك أن الحرية
الفكرية لم تكن تلقى من القيود ما يكفكف من غربها . فالجاحظ نفسه يقول
في العثمانية ( 1 ) معبرا عن زوال التقية وانطلاق الفكر بقوله :
" ولو لم أكن على ثقة من ظهور الحق على الباطل لم استحل كتمانه مع زوال
التقية ، وصلاح الدهر ، وإنصاف القيم " .
لذلك وجدنا العثمانية تلقى من ينقضها في حياة الجاحظ . ومن العجب أن الذي
ينقض العثمانية وهو شيخ من شيوخ المعتزلة البغداديين ورؤسائهم . وأهل الزهد
والديانة منهم ، ممن يذهب إلى تفضيل علي عليه السلام ، وإلى القول بإمامة المفضول
كما يقول المسعودي ( 2 ) ، وذلك الناقض هو أبو جعفر محمد بن عبد الله الإسكافي .
وقد عده قاضى القضاة ( 3 ) في الطبقة السابعة من المعتزلة ، مع عباد بن سليمان الصيمري ،
هامش
( 1 ) العثمانية ص 154 .
( 2 ) مرج الذهب 3 : 253 - 254 .
( 3 ) هو أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الاسترآباذي . كان شيخ المعتزلة
في عصره ، وهم يلقبونه قاضى القضاة . ولا يطلقون هذا اللقب على غيره . ومات بالري سنة
415 ، تاريخ بغداد 11 : 113 والرسالة المستطرفة 120 .