تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
قائما حكما ، فأما في المكره والنائم سبب العذر جاء من جهة العباد ، والحق في أداء الصوم لله فلم يكن هذا في ( معنى ) سبب كان ممن له الحق ، ألا ترى أن المريض يصلي قاعدا ثم لا تلزمه الإعادة إذا برأ ، والمقيد يصلي قاعدا ثم تلزمه الإعادة إذا رفع القيد عنه . وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله : الذي شج في صلاته لا يبني بعد الوضوء ، والذي ابتلي بقئ أو رعاف يبني على صلاته بعد الوضوء ، لما أن ذلك حكم معدول به عن القياس بالنص فلم يجز التعليل فيه ، وما يبتنى على صنع العباد ليس نظير ما لا صنع للعباد من كل وجه . ومن هذه الجملة قلنا : حل الذبيحة مع ترك التسمية ناسيا حكم معدول به عن القياس بالنص ، فلم يجز تعليله لتعدية الحكم إلى العامد ولا مساواة بينهما ، فالناسي معذور غير معرض عن ذكر اسم الله تعالى ، والعامد جان معرض عن ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة . ومن أصحابنا من ظن أن المستحسنات كلها بهذه الصفة وليس كما ظن ، فالمستحسن قد يكون معدولا به عن القياس ، وقد يكون ثابتا بنوع من القياس إلا أنه قياس خفي على ما نبينه في بابه إن شاء الله تعالى . ومن أصحابنا من ظن أن في الحكم الذي يكون ثابتا بالنص فيه معنى معقول ، إلا أنه يعارض ذلك المعنى معان أخر تخالفه ، فالجواب فيه كذلك ، إلا أنه لا يجوز التعليل فيه وليس كذلك ، فإن الأصل بمنزلة الراوي والوصف الذي به تعلل بمنزلة الحديث ، وفي رواية الاخبار قد يقع الترجيح باعتبار كثرة الرواة على ما بينا ، ولكن به لا يخرج من أن تكون رواية الواحد معتبرا ، فعرفنا أنه متى كان النص معقول المعنى فإنه يجوز تعليله بذلك المعنى ليتعدى الحكم به إلى فرع ، وإن عارض ذلك المعنى معان أخر في الأصل ، فإنه ليس من شرط التعليل للتعدية اعتبار جميع معاني الأصل . وأما الفصل الثالث : فهو أعظم هذه الوجوه فقها ، وأعمها نفعا ، وهو شرط واحد اسما ولكن يدخل تحته أصول .
أصول السرخسي — صفحة 155 | أبو الوفاء الأفغاني / السرخسي