تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
فذلك نحو ما روي أن ماعزا رضي الله عنه زنا وهو محصن فرجم ، فإنا نثبت هذا الحكم بالزنا بعد الاحصان في حق غير ماعز ، وإنما ننكر هذا في علة مستنبطة بالرأي نحو الكيل والجنس فإنكم تجعلونه علة الربا في الحنطة بالرأي ، إذ ليس في نص الربا ما يوجب تعيين هذا الوصف من بين سائر أوصاف المحل دلالة ولا إشارة . قلنا : نحن لا نثبت حكم الربا في الفروع بعلة القدر والجنس إلا من الوجه الذي ثبت حكم الرجم في حق غير ماعز بعلة الزنا بعد الاحصان ، فإن ماعزا إحصانه كان موجودا قبل الزنا ثم لما ظهر منه الزنا سأل رسول الله ( ص ) عن إحصانه فلما ظهر إحصانه عنده أمر برجمه ، فعرفنا يقينا أن علة ما أمر به هو ما ظهر عنده ، والزنا يصلح أن يكون علة لذلك ، لان المأمور به عقوبة والزنا جريمة يستوجب بها العقوبة ، والاحصان لا يصلح أن يكون علة ، لأنها خصال حميدة ، وبها يستفيد المرء كمال الحال وتتم عليه النعمة ، فلا يصلح علة للعقوبة ، ولكن تتغلظ الجناية بالزنا بعد وجودها ، لان بحسب زيادة النعمة يزداد غلظ الجريمة ، ألا ترى أن الله تعالى هدد نساء رسوله بضعف ما هدد به سائر النساء فقال تعالى : * ( من يأت منكن بفاحشة ) * الآية وكان ذلك لزيادة النعمة عليهن ، وبتغلظ الجريمة تتغلظ العقوبة فيصير رجما بعد أن كان جلدا في حق غير المحصن ، فعرفنا أن الاحصان حال في الزاني يصير الزنا باعتباره موجبا للرجم فكان شرطا ، وبمثل هذا الطريق تثبت علة الربا في موضع النص ثم تعدى الحكم به إلى الفروع ، فإن النص قوله عليه السلام : الحنطة بالحنطة : أي بيعها ، وقوله : مثل بمثل تفسير على معنى أنه إنما يكون بيعا في حال ما يكون مثلا بمثل ( والفضل ربا ) : أي حراما بسبب الربا ، فيثبت بالنص أن الفضل محرم ، وقد علمنا أنه ليس المراد كل فصل ، فالبيع ما شرع إلا للاستفضال والاسترباح ، وإنما المراد الفضل الخالي عن العوض ، لان البيع المشروع المعاوضة فلا يجوز أن يستحق به فضلا خاليا عن العوض ، ثم خلو الفضل عن العوض لا يظهر يقينا بعدد الحبات والحفنات ، ولا يظهر إلا بعد ثبوت المساواة قطعا في الوصف الذي صار به محلا للبيع وهو المالية ، وهذه المساواة إنما يتوصل إلى معرفتها شرعا وعرفا ، والشرع إنما أثبت هذه المساواة