فذلك نحو ما روي أن ماعزا رضي الله عنه زنا وهو محصن فرجم ، فإنا نثبت هذا
الحكم بالزنا بعد الاحصان في حق غير ماعز ، وإنما ننكر هذا في علة مستنبطة بالرأي
نحو الكيل والجنس فإنكم تجعلونه علة الربا في الحنطة بالرأي ، إذ ليس في نص الربا
ما يوجب تعيين هذا الوصف من بين سائر أوصاف المحل دلالة ولا إشارة . قلنا : نحن
لا نثبت حكم الربا في الفروع بعلة القدر والجنس إلا من الوجه الذي ثبت حكم الرجم
في حق غير ماعز بعلة الزنا بعد الاحصان ، فإن ماعزا إحصانه كان موجودا
قبل الزنا ثم لما ظهر منه الزنا سأل رسول الله ( ص ) عن إحصانه فلما
ظهر إحصانه عنده أمر برجمه ، فعرفنا يقينا أن علة ما أمر به هو ما ظهر عنده ، والزنا
يصلح أن يكون علة لذلك ، لان المأمور به عقوبة والزنا جريمة يستوجب بها العقوبة ،
والاحصان لا يصلح أن يكون علة ، لأنها خصال حميدة ، وبها يستفيد المرء كمال الحال
وتتم عليه النعمة ، فلا يصلح علة للعقوبة ، ولكن تتغلظ الجناية بالزنا بعد وجودها ،
لان بحسب زيادة النعمة يزداد غلظ الجريمة ، ألا ترى أن الله تعالى هدد نساء رسوله
بضعف ما هدد به سائر النساء فقال تعالى : * ( من يأت منكن بفاحشة ) * الآية وكان
ذلك لزيادة النعمة عليهن ، وبتغلظ الجريمة تتغلظ العقوبة فيصير رجما بعد أن كان
جلدا في حق غير المحصن ، فعرفنا أن الاحصان حال في الزاني يصير الزنا باعتباره
موجبا للرجم فكان شرطا ، وبمثل هذا الطريق تثبت علة الربا في موضع النص
ثم تعدى الحكم به إلى الفروع ، فإن النص قوله عليه السلام : الحنطة
بالحنطة : أي بيعها ، وقوله : مثل بمثل تفسير على معنى أنه إنما يكون
بيعا في حال ما يكون مثلا بمثل ( والفضل ربا ) : أي حراما بسبب الربا ، فيثبت
بالنص أن الفضل محرم ، وقد علمنا أنه ليس المراد كل فصل ، فالبيع ما شرع
إلا للاستفضال والاسترباح ، وإنما المراد الفضل الخالي عن العوض ، لان البيع
المشروع المعاوضة فلا يجوز أن يستحق به فضلا خاليا عن العوض ، ثم خلو
الفضل عن العوض لا يظهر يقينا بعدد الحبات والحفنات ، ولا يظهر إلا
بعد ثبوت المساواة قطعا في الوصف الذي صار به محلا للبيع وهو المالية ، وهذه
المساواة إنما يتوصل إلى معرفتها شرعا وعرفا ، والشرع إنما أثبت هذه المساواة
أصول السرخسي — صفحة 126
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٢٦