تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
لتحقيق معنى انشراح الصدر وطمأنينة القلب الثابت بقوله تعالى : * ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) * . فإن قيل : كيف يستقيم هذا وعندكم القياس لا يوجب العلم والمجتهد قد يخطئ وقد يصيب ؟ قلنا : نعم ولكن يحصل له بالاجتهاد العلم من طريق الظاهر على وجه يطمئن قلبه وإن كان لا يدرك ما هو الحق باجتهاده لا محالة ، فهو نظير قوله تعالى : * ( فإن علمتموهن مؤمنات ) * فإن المراد به العلم من حيث الظاهر . فإن قيل : كيف يستقيم هذا وأكثر المشروعات بخلاف المعهود المعتاد بين الناس ؟ قلنا : نعم هو بخلاف المعهود المعتاد عند اتباع هوى النفس وإشارتها ، وأما إذا ترك ذلك ورجع إلى ما ينبغي للعاقل أن يرجع إليه فإنه يكون ذلك موافقا لما هو المعهود المعتاد عند العقلاء ، فباعتبار هذا التأمل يحصل البيان على وجه يطمئن القلب إليه في الانتهاء ، واعتقاد الحقية في النصوص فرض حق ، وطلب طمأنينة القلب فيه حسن كما أخبر الله تعالى عن الخليل صلوات الله عليه : * ( قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) * . ومنها قوله تعالى : * ( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ) * فقد بينا أن المراد به القياس الصحيح ، والرجوع إليه عند المنازعة ، وفيه بيان أن الرجوع إليه يكون بأمر الله وأمر الرسول . ولا يجوز أن يقال المراد هو الرجوع إلى الكتاب والسنة ، لأنه علق ذلك بالمنازعة ، والامر بالعمل بالكتاب والسنة غير متعلق بشرط المنازعة ، ولان المنازعة بين المؤمنين في أحكام الشرع قلما تقع فيما فيه نص من كتاب أو سنة ، فعرفنا أن المراد به المنازعة فيما ليس في عينه نص ، وأن المراد هو الامر بالرد إلى الكتاب والسنة بطريق التأمل فيما هو مثل ذلك الشئ من المنصوص ، وإنما تعرف هذه المماثلة بإعمال الرأي وطلب المعنى فيه . ثم الاخبار عن رسول الله ( ص ) وعن الصحابة في هذا الباب أكثر من أن تحصى ، وأشهر من أن تخفى .
أصول السرخسي — صفحة 129 | أبو الوفاء الأفغاني / السرخسي