تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
والسكين لعلمه أنه ناقض للبنية ، فعرفنا أن أصل ذلك محسوس ، فإعمال الرأي فيه للعمل يكون في معنى العمل بما لا شبهة في أصله . ثم في هذه المواضع الضرورة تتحقق إلى إعمال الرأي ، فإنه عند الاعراض عنه لا نجد طريقا آخر وهو دليل العمل به ، فلأجل الضرورة جوزنا به العمل بالرأي فيه ، وهنا الضرورة لا تدعو إلى ذلك لوجود دليل في أحكام الشرع للعمل به على وجه يغنيه عن إعمال الرأي فيه وهو اعتبار الأصل الذي قررنا . ولا يدخل على شئ مما ذكرنا إعمال الرأي والتفكر في أحوال القرون الماضية وما لحقهم من المثلات والكرامات ، لان ذلك من حقوق العباد ، فالمقصود أن يمتنعوا مما كان مهلكا لمن قبلهم حتى لا يهلكوا ، أو أن يباشروا ما كان سببا لاستحقاق الكرامة لمن قبلهم حتى ينالوا مثل ذلك ، وهو في الأصل من حقوق العباد بمنزلة الاكل الذي يكتسب به المرء سبب إبقاء نفسه ، وإتيان الإناث في محل الحرث بطريقه ليكتسب به سبب إبقاء النسل . ثم طريق ذلك الاعتبار بالتأمل في معاني اللسان ، فإن أصله الخبر وذلك مما يعلم بحاسة السمع ، ثم بالتأمل فيه يدرك المقصود وليس ذلك من حكم الشريعة في شئ ، فقد كان الوقوف على معاني اللغة في الجاهلية وهو باق اليوم بين الكفرة الذين لا يعلمون حكم الشريعة . وعلى هذا يخرج أيضا ما أمر به رسول الله عليه السلام من المشورة مع أصحابه ، فإن المراد أمر الحرب وما هو من حقوق العباد ، ألا ترى أن المروي عن رسول الله ( ص ) أنه شاورهم في ذلك ولم ينقل أنه شاورهم قط في حقيقة ما هم عليه ولا فيما أمرهم به من أحكام الشرع ، وإلى هذا المعنى أشار بقوله عليه السلام : إذا أتيتكم بشئ من أمر دينكم فاعملوا به ، وإذا أتيتكم بشئ من أمر دنياكم فأنتم أعلم بأمر دنياكم أو كلاما هذا معناه . وهذا بيان شبه الخصوم في المسألة . والحجة لجمهور العلماء دلائل الكتاب والسنة والمعقول ، وهي كثيرة جدا قد أورد أكثرها المتقدمون من مشايخنا ، ولكنا نذكر من كل نوع طرفا مما هو أقوى في الاعتماد عليه .