تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
أنه كاتب فيجده غير كاتب ، وبهذا تبين أن ما صرنا إليه هو الاعتبار المأمور به ، فإنه تأمل في معنى النصوص لإضافة الحكم إلى الوصف الذي هو مؤثر فيه ، بمنزلة إضافة الهلاك إلى الكفر الذي هو مؤثر فيه ، والرجم إلى الزنا الذي هو مؤثر فيه ، وكل عاقل يعرف أن قوام أموره بمثل هذا الرأي ، فالآدمي ما سخر غيره ممن في الأرض إلا بهذا الرأي ، وما ظهر التفاوت بينهم في الأمور العاجلة إلا بالتفاوت في هذا الرأي فالمنكر له يكون متعنتا . ومنها قوله تعالى : * ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) * والاستنباط ليس إلا استخراج المعنى من المنصوص بالرأي . وقيل المراد بأولي الامر أمراء السرايا ، وقيل المراد العلماء وهو الأظهر ، فإن أمراء السرايا إنما يستنبطون بالرأي إذا كانوا علماء ، واستنباط المعنى من المنصوص بالرأي إما أن يكون مطلوبا لتعدية حكمه إلى نظائره وهو عين القياس ، أو ليحصل به طمأنينة القلب وطمأنينة القلب إنما تحصل بالوقوف على المعنى الذي لأجله ثبت الحكم في المنصوص ، وهذا لان الله تعالى جعل هذه الشريعة نورا وشرحا للصدور فقال : * ( أفمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه ) * والقلب يرى الغائب بالتأمل فيه ، كما أن العين ترى الحاضر بالنظر إليه ، ألا ترى أن الله تعالى قال في بيان حال من ترك التأمل : * ( فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) * ثم في رؤية العين لا إشكال أنه يحصل به من الطمأنينة فوق ما يحصل بالخبر ، وإليه أشار رسول الله ( ص ) في قوله : ليس الخبر كالمعاينة ونحن نعلم أن الضال عن الطريق ( العادل ) يكون ضيق الصدر ، فإذا أخبره مخبر بالطريق واعتقد الصدق في خبره يتبين في صدره بعض الانشراح ، وإنما يتم انشراح صدره إذا عاين أعلام الطريق العادل ، فكذلك في رؤية القلب ، فإنه إذا تأمل في المعنى المنصوص حتى وقف عليه يتم به انشراح صدره ، وتتحقق طمأنينة قلبه ، وذلك بالنور الذي جعله الله في قلب كل مسلم ، فالمنع من هذا التأمل والامر بالوقوف على مواضع النص من غير طلب المعنى فيه يكون نوع حجر ورفعا