تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
منصوص عليها ، فأما بالرأي فلا يمكن الوقوف على ما هو العلة عينا فيكون العمل به باطلا . ولا يدخل عليه الاخبار فإنه لا اختلاف فيها في الأصل ، لأنه كلام رسول الله ( ص ) وقد بينا أنه قال ذلك عن وحي ، وقد علمنا بالنص أنه لا اختلاف فيما هو من عند الله ، قال تعالى : * ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) * وإنما الاختلاف في الاخبار من جهة الرواة ، والحجة هو الخبر لا الراوي . وما كان الاختلاف فيما بين الرواة إلا نظير اشتباه الناسخ من المنسوخ في كتاب الله فإن ذلك متى ارتفع بما هو الطريق في معرفته يكون العمل بالناسخ واجبا . ويكون ذلك عملا بالنص لا بالتاريخ ، فكذلك في الاخبار . وتحت ما قررنا فائدتان بهما قوام الدين ونجاة المؤمنين : إحداهما المحافظة على نصوص الشريعة ، فإنها قوالب الاحكام . والثاني التبحر في معاني اللسان فإن معانيه جمة غائرة لا يفضل عمر المرء عن التأمل فيها إذا أراد الوقوف عليها ، ولا يتفرغ للعمل بالهوى الذي ينشأ منه الزيغ عن الحق والوقوع في البدعة ، وما يحصل به التحرز عن البدع واجبا أحكام الشرع فلا شك أن قوام الدين ونجاة المؤمنين يكون فيه . ولا يدخل على شئ مما ذكرنا إعمال الرأي في أمر الحرب وقيم المتلفات ومهر النساء والوقوف على جهة الكعبة . أما على الوجه الأول فلان هذا كله من حقوق العباد ، ويليق بحالهم العجز والاشتباه فيما يعود إلى مصالحهم العاجلة فيعتبر فيه الوسع ليتيسر عليهم الوصول إلى مقاصدهم ، وهذا في غير أمر القبلة ظاهر وكذلك في أمر القبلة ، فإن الأصل فيه معرفة جهات أقاليم الأرض وذلك من حقوق العباد . وعلى الثاني فلان الأصل فيما هو من حقوق العباد ما يكون مستدركا بالحواس ، وبه يثبت علم اليقين كما ثبت بالكتاب والسنة ، ألا ترى أن الكعبة جهتها تكون محسوسة في حق من عاينها ، وبعد البعد منها بإعمال الرأي يمكن تصييرها كالمحسوسة . وكذلك أمر الحرب ، فالمقصود صيانة النفس عما يتلفها أو قهر الخصم وأصل ذلك محسوس ، وما هو إلا نظير التوقي عن تناول سم الزعاف لعلمه أنه متلف ، والتوقي عن الوقوع على السيف