تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
فمن دلائل الكتاب قوله تعالى * ( فاعتبروا يا أولي الابصار ) * حكي عن ثعلب قال : الاعتبار في اللغة هو : رد حكم الشئ إلى نظيره ومنه يسمى الأصل الذي يرد إليه النظائر عبرة ، ومن ذلك قوله تعالى * ( إن في ذلك لعبرة لأولي الابصار ) * والرجل يقول : اعتبرت هذا الثوب بهذا الثوب أي سويته به في التقدير ، وهذا هو حد القياس ، فظهر أنه مأمور به بهذا النص . وقيل الاعتبار : التبيين ومنه قوله تعالى : * ( إن كنتم للرؤيا تعبرون ) * : أي تبينون ، والتبيين الذي يكون مضافا إلينا هو إعمال الرأي في معنى المنصوص ليتبين به الحكم في نظيره . فإن قيل : الاعتبار هو التأمل والتفكر فيما أخبر الله تعالى مما صنعه بالقرون الماضية . قلنا : هذا مثله ولكنه غير مأمور به لعينه بل ليعتبر حاله بحالهم فيزجروا عما استوجبوا به ما استوجبوا من العقاب ، إذ المقصود من الاعتبار هو أن يتعظ بالعبرة ، ومنه يقال السعيد من وعظ بغيره . وبيان ما قلنا في القصاص ، فإن الله تعالى يقول : * ( ولكم في القصاص حياة ) * وهو في العيان ضد الحياة ، ولكن فيه حياة بطريق الاعتبار في شرعه واستبقائه ، أما الحياة في شرعه وهو أن من قصد قتل غيره فإذا تفكر في نفسه أنه متى قتله قتل به انزجر عن قتله فتكون حياة لهما ، والحياة في استبقائه أن القاتل عمدا يصير حربا لأولياء القتيل لخوفه على نفسه منهم ، فالظاهر أنه يقصد قتلهم ويستعين على ذلك بأمثاله من السفهاء ليزيل الخوف عن نفسه ، فإذا استوفى الولي القصاص منه اندفع شره عنه وعن عشيرته فيكون حياة لهم من هذا الوجه ، لان إحياء الحي في دفع سبب الهلاك عنه ، قال تعالى : * ( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) * وإذا تبين هذا المعنى فنقول : لا فرق بين حكم هو هلاك في محل باعتبار معنى هو كفر ، وبين حكم هو تحريم أو تحليل في محل باعتبار معنى هو قدر وجنس ، فالتنصيص على الامر بالاعتبار في أحد الموضعين يكون تنصيصا على الامر به في الموضع الآخر . فإن قيل : الكفر في كونه علة لما استوجبوه منصوص عليه ، وكذلك القتل في كونه علة للقصاص ، ونحن لا ننكر هذا الاعتبار في العلة التي هي منصوصة