لا يكون ناسخا للرأي ، ولهذا لم يجز نسخ أحد القياسين بالآخر ، ولكن
طريق العمل طلب الترجيح بزيادة قوة لأحد الأقاويل ، فإن ظهر ذلك وجب العمل
بالراجح ، وإن لم يظهر يتخير المبتلي بالحادثة في الاخذ بقول أيهما شاء بعد أن يقع
في أكثر رأيه أنه هو الصواب ، وبعد ما عمل بأحد القولين لا يكون له أن يعمل
بالقول الآخر إلا بدليل ، وقد بينا ( لك ) هذا في باب المعارضة . هذا الذي بينا هو
النهاية في الاخذ بالسنة حقيقتها وشبهتها ثم العمل بالرأي بعده ، وبذلك يتم الفقه
على ما أشار إليه محمد بن الحسن في أدب القاضي فقال : لا يستقيم العمل بالحديث
إلا بالرأي ، ولا يستقيم العمل بالرأي إلا بالحديث . وأصحابنا هم المتمسكون بالسنة
والرأي في الحقيقة ، فقد ظهر منهم من تعظيم السنة ما لم يظهر من غيرهم ممن يدعي أنه
صاحب الحديث ، لأنهم جوزوا نسخ الكتاب بالسنة لقوة درجتها ، وجوزوا العمل
بالمراسيل ، وقدموا خبر المجهول على القياس ، وقدموا قول الصحابي على القياس ،
لان فيه شبهة السماع من الوجه الذي قررنا ، ثم بعد ذلك كله عملوا بالقياس الصحيح
وهو المعنى الذي ظهر أثره بقوته . فأما الشافعي رحمه الله حين لم يجوز العمل
بالمراسيل فقد ترك كثيرا من السنن ، وحين لم يقبل رواية المجهول فقد عطل بعض
السنة أيضا ، وحين لم ير تقليد الواحد من الصحابة فقد جوز الاعراض عما فيه شبهة
السماع ، ثم جوز العمل بقياس الشبه وهو مما لا يجوز أن يضاف إليه الوجوب بحال ،
فما حاله إلا كحال من لم يجوز العمل بالقياس أصلا ، ثم يعمل باستصحاب الحال
فحمله ما صار إليه من الاحتياط على العمل بلا دليل وترك العمل بالدليل . وتبين أن
أصحابنا هم القدوة في أحكام الشرع أصولها وفروعها ، وأن بفتواهم اتضح الطريق
للناس إلا أنه بحر عميق لا يسلكه كل سابح ، ولا يستجمع شرائطه كل طالب ،
والله الموفق .
أصول السرخسي — صفحة 113
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١١٣