تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
لا يكون ناسخا للرأي ، ولهذا لم يجز نسخ أحد القياسين بالآخر ، ولكن طريق العمل طلب الترجيح بزيادة قوة لأحد الأقاويل ، فإن ظهر ذلك وجب العمل بالراجح ، وإن لم يظهر يتخير المبتلي بالحادثة في الاخذ بقول أيهما شاء بعد أن يقع في أكثر رأيه أنه هو الصواب ، وبعد ما عمل بأحد القولين لا يكون له أن يعمل بالقول الآخر إلا بدليل ، وقد بينا ( لك ) هذا في باب المعارضة . هذا الذي بينا هو النهاية في الاخذ بالسنة حقيقتها وشبهتها ثم العمل بالرأي بعده ، وبذلك يتم الفقه على ما أشار إليه محمد بن الحسن في أدب القاضي فقال : لا يستقيم العمل بالحديث إلا بالرأي ، ولا يستقيم العمل بالرأي إلا بالحديث . وأصحابنا هم المتمسكون بالسنة والرأي في الحقيقة ، فقد ظهر منهم من تعظيم السنة ما لم يظهر من غيرهم ممن يدعي أنه صاحب الحديث ، لأنهم جوزوا نسخ الكتاب بالسنة لقوة درجتها ، وجوزوا العمل بالمراسيل ، وقدموا خبر المجهول على القياس ، وقدموا قول الصحابي على القياس ، لان فيه شبهة السماع من الوجه الذي قررنا ، ثم بعد ذلك كله عملوا بالقياس الصحيح وهو المعنى الذي ظهر أثره بقوته . فأما الشافعي رحمه الله حين لم يجوز العمل بالمراسيل فقد ترك كثيرا من السنن ، وحين لم يقبل رواية المجهول فقد عطل بعض السنة أيضا ، وحين لم ير تقليد الواحد من الصحابة فقد جوز الاعراض عما فيه شبهة السماع ، ثم جوز العمل بقياس الشبه وهو مما لا يجوز أن يضاف إليه الوجوب بحال ، فما حاله إلا كحال من لم يجوز العمل بالقياس أصلا ، ثم يعمل باستصحاب الحال فحمله ما صار إليه من الاحتياط على العمل بلا دليل وترك العمل بالدليل . وتبين أن أصحابنا هم القدوة في أحكام الشرع أصولها وفروعها ، وأن بفتواهم اتضح الطريق للناس إلا أنه بحر عميق لا يسلكه كل سابح ، ولا يستجمع شرائطه كل طالب ، والله الموفق .