تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
مسعود رضي الله عنه في تقدير الجعل لراد الآبق من مسيرة سفر بأربعين درهما ، لأنه قول بخلاف القياس وهو إطلاق الفتوى منه فيما لا يعرف بالقياس فتتعين جهة السماع . فإن قيل : هذا المعنى يوجد في قول التابعي ، فإنه لا يظن المجازفة في القول بالمجتهد في كل عصر ، ولا يجوز حمل كلامه على الكذب قصدا ، ومع ذلك لا تتعين جهة السماع لفتواه عند الاطلاق حتى لا يكون حجة فيما لا يستدرك بالقياس كما لا يكون حجة فيما يعرف بالقياس . قلنا : قد بينا أن قول الصحابي يكون أبعد عن احتمال الغلط وقلة التأمل فيه من قول غيره ، ثم احتمال اتصال قولهم بالسماع يكون بغير واسطة ، فقد صحبوا من كان ينزل عليه الوحي وسمعوا منه ، واحتمال اتصال قول من بعدهم بالسماع يكون بواسطة النقل وتلك الواسطة لا يمكن إثباتها بغير دليل وبدونها لا يثبت اتصال قوله بالسماع بوجه من الوجوه ، فمن هذا الوجه يقع الفرق بين قول الصحابي وبين قول من هو دونه فيما لا مدخل للقياس فيه . فإن قيل : قد قلتم في المقادير بالرأي من غير أثر فيه ، فإن أبا حنيفة قدر مدة البلوغ بالسن بثماني عشرة سنة أو سبع عشرة سنة بالرأي ، وقدر مدة وجوب دفع المال إلى السفيه الذي لم يؤنس منه الرشد بخمس وعشرين سنة بالرأي ، وقدر أبو يوسف ومحمد مدة تمكن الرجل من نفي الولد بأربعين يوما بالرأي ، وقدر أصحابنا جميعا ما يطهر به البئر من النزح عند وقوع الفأرة فيه بعشرين دلوا ، فهذا يتبين فساد قول من يقول إنه لا مدخل للرأي في معرفة المقادير ، وأنه تتعين جهة السماع في ذلك إذا قاله صحابي . قلنا : إنما أردنا بما قلنا المقادير التي تثبت لحق الله ابتداء دون مقدار يكون فيما يتردد بين القليل والكثير والصغير والكبير ، فإن المقادير في الحدود والعبادات نحو أعداد الركعات في الصلوات مما لا يشكل على أحد أنه لا مدخل
أصول السرخسي — صفحة 111 | أبو الوفاء الأفغاني / السرخسي