فإن درجة الخلفاء الراشدين فوق درجة غيرهم في الفضيلة ولم يدل ذلك على أن الاجماع
الذي هو حجة يثبت بدون قولهم ، وكما أمر رسول الله بالاقتداء بالصحابة فقد أمر
بالاقتداء بالخلفاء الراشدين لسائر الصحابة بقوله عليه السلام : عليكم بسنتي
وسنة الخلفاء من بعدي وأمر بالاقتداء بأبي بكر وعمر بقوله عليه السلام : اقتدوا
باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ثم هذا لا يدل على أن إجماعهم يكون حجة
قاطعة مع خلاف سائر الصحابة .
فصل : في حدوث الخلاف بعد الاجماع باعتبار معنى حادث
فمذهب علمائنا أن الاتفاق متى حصل في شئ على حكم ثم حدث فيه معنى
اختلفوا لأجله في حكمه ، فالاجماع المتقدم لا يكون حجة فيه . وقال بعض العلماء
ذلك الاجماع حجة فيه يجب التمسك به حتى يوجد إجماع آخر بخلافه . وبيان هذا
في الماء الذي وقع فيه نجاسة ولم يتغير أحد أوصافه ، فإن الاجماع الذي كان
على طهارته قبل وقوع النجاسة فيه لا يكون حجة لاثبات صفة الطهارة فيه بعد
وقوع النجاسة فيه ، وعند بعضهم يكون حجة . وكذلك المتيمم إذا أبصر الماء
في خلال الصلاة فالاجماع المنعقد على صحة شروعه في الصلاة قبل أن يبصر الماء
لا يكون حجة لبقاء صلاته بعدما أبصر الماء ، وعند بعضهم يكون حجة .
وكذلك بيع أم الولد فالاجماع المنعقد على جواز بيعها قبل الاستيلاد لا يكون
حجة لجواز بيعها بعد الاستيلاد عندنا ، وعند بعضهم يكون حجة . ويقولون :
قد انعقد الاجماع على حكم في هذا العين فنحن على ما كنا عليه من الاجماع
حتى ينعقد إجماع آخر له ، لان الشئ لا يرفعه ما هو دونه ولا شك أن الخلاف
دون الاجماع ، يوضحه أن التمسك باليقين وترك المشكوك فيه أصل في الشرع ،
فإن النبي عليه السلام أمر الشاك في الحدث بأن لا ينصرف من صلاته حتى
يستيقن بالحدث ، لأنه على يقين من الطهارة وهو في شك من الحدث . وكذلك
أمر الشاك في الصلاة بأن يأخذ بالأقل لكونه متيقنا به . وكذلك في الاحكام
نقول اليقين لا يزال بالشك حتى إذا شك في طلاق امرأته لم يقع الطلاق عليها .
وكذلك الاقرار بالمال لا يثبت مع الشك ، لان براءة الذمة يقين باعتبار الأصل
أصول السرخسي — صفحة 116
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١١٦