تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
لعله إذا دعاه إلى قوله أظهر خلافه فلا يكون قوله حجة عليه ، فأما بعدما ظهر القول عن واحد منهم وانقرض عصرهم قبل أن يظهر قول بخلافه من غيره فقد انقطع احتمال ما ثبت به المساواة من الوجه الذي قررنا فيكون قوله حجة ، وإنما ساغ لبعضهم مخالفة البعض لوجود المساواة بينهم فيما يتقوى به الرأي ، وهو مشاهدة أحوال التنزيل ومعرفة أسبابه . ولا خلاف بين أصحابنا المتقدمين والمتأخرين أن قول الواحد من الصحابة حجة فيما لا مدخل للقياس في معرفة الحكم فيه ، وذلك نحو المقادير التي لا تعرف بالرأي ، فإنا أخذنا بقول علي رضي الله عنه في تقدير المهر بعشرة دراهم ، وأخذنا بقول أنس في تقدير أقل الحيض بثلاثة أيام وأكثره بعشرة أيام ، وبقول عثمان بن أبي العاص في تقدير أكثر النفاس بأربعين يوما ، وبقول عائشة رضي الله عنها في أن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين ، وهذا لان أحدا لا يظن بهم المجازفة في القول ، ولا يجوز أن يحمل قولهم في حكم الشرع على الكذب ، فإن طريق الدين من النصوص إنما انتقل إلينا بروايتهم ، وفي حمل قولهم على الكذب والباطل قول بفسقهم ، وذلك يبطل روايتهم فلم يبق إلا الرأي أو السماع ممن ينزل عليه الوحي ولا مدخل للرأي في هذا الباب ، فتعين السماع وصار فتواه مطلقا كروايته عن رسول الله ( ص ) ، ولا شك أنه لو ذكر سماعه من رسول الله لكان ذلك حجة لاثبات الحكم به فكذلك إذا أفتى به ولا طريق لفتواه إلا السماع ، ولهذا قلنا : إن قول الواحد منهم فيما لا يوافقه القياس يكون حجة في العمل به ، كالنص يترك القياس به ، حتى إن في شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن أخذنا بقول عائشة رضي الله عنها في قصة زيد بن أرقم رضي الله عنه وتركنا القياس ، لان القياس لما كان مخالفا لقولها تعين جهة السماع في فتواها ، وكذلك أخذنا بقول ابن عباس رضي الله عنهما في النذر بذبح الولد إنه يوجب ذبح شاة لأنه قول يخالف القياس فتتعين فيه جهة السماع ، وأخذنا بقول ابن