في موضعه ، وقد أقيم أبو دلف بين يديه في الصحن .
فلمّا رأى الأفشين قاضي القضاة ، دخل بلا إذن ، بهت .
فقال له أحمد بن أبي دؤاد : أيها الأمير ، أنا رسول أمير المؤمنين إليك ، يأمرك أن لا تحدث في أمر القاسم حدثا إلا بإذنه .
ثم التفت إلى الشهود ، فقال : اشهدوا أنّي قد بلَّغت رسالة أمير المؤمنين والقاسم حيّ معافى .
ثم خرج فأتى باب المعتصم مسرعا ، واستأذن عليه ، فأذن له ، فلمّا دخل عليه ، قال : يا أمير المؤمنين ، قد كذبت عليك واحدة ، أرجو بها الجنة ، ولك بها الفخر .
قال : وما هي ؟
قال : كان من الأمر كيت وكيت .
قال : فضحك المعتصم ، وقال : أحسنت ، أحسن اللَّه إليك .
ثم لم يلبث أن جاء الأفشين مستأذنا ، فأذن له ، فلمّا استقر مجلسه قال :
يا أمير المؤمنين ، جاءتني رسالة منك مع قاضي القضاة في معنى أبي دلف ، فما تأمر في شأنه ؟
قال : نعم ، أرسلت إليك فيه ، فاحذر أن تتعرّض له إلَّا بخير .
فأفلت بذلك من يده « 1 » .
المستجاد من فعلات الأجواد 148
هامش
« 1 » كان أبو عبد اللَّه أحمد بن أبي دؤاد ينكر أمر الغناء إنكارا شديدا ، فأعلمه المعتصم أن صديقه أبا دلف يغني ، فقال : ما أراه مع عقله يفعل ذلك ، فستر أحمد بن أبي دؤاد في موضع ، وأحضر أبا دلف وأمره أن يغني ، ففعل ذلك ، وأطال ، ثم أخرج أحمد بن أبي دؤاد عليه من موضعه ، والكراهة ظاهرة في وجهه ، فلما رآه أحمد ، قال له : سوأة لهذا من فعل ، بعد هذا السن ، وهذا المحل ، تضع من نفسك كما أرى ؟ فخجل أبو دلف ، وتشور ، وقال : إنهم أكرهوني على ذلك ، فقال : هبهم أكرهوك على الغناء ، أفأكرهوك على الإحسان والإصابة ( الأغاني 8 / 251 ) .