تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
اعلم أيها الأمير ، أنّك قد أصبحت ، وليس فوق يدك يد لأحد من المخلوقين ، وأنّك مالك لكل ما تريده ، قادر على أن تفعله ، أيّ وقت أردته ، لا يتهيّأ لأحد من المخلوقين منعك منه ، ولا أن يحول بينك وبين ما تهواه ، أيّ وقت أردت ، واعلم أنّ الغيظ والغضب يحدثان في الإنسان سكرا ، أشد من سكر النبيذ بكثير ، فكما أنّ الإنسان يعمل في وقت السكر من النبيذ ، ما لا يليق به ، ولا يذكره إذا صحا ، ويندم عليه إذ احدّث به ، ويستحي منه ، كذلك يحدث له في وقت السكر من الغيظ ، بل أشدّ ، فإذا ابتدأ بك الغضب ، فضع في نفسك أن تؤخر العقوبة إلى غد ، واثقا بأن ما تريد أن تعمله في الوقت ، لا يفوتك عمله ، فإنّك إذا بتّ ليلتك ، سكنت فورة غضبك ، وقد قيل : أصحّ ما يكون الإنسان رأيا ، إذا استدبر ليله ، واستقبل نهاره ، فإذا صحوت من سكرك ، فتأمّل الأمر الذي أغضبك ، وقدّم أمر اللَّه عز وجلّ ، أوّلا ، والخوف منه ، وترك التعرّض لسخطه ، واشف غيظك ، بما لا يؤثمك ، فقد قيل : ما شفى غيظه من أثم ، واذكر قدرة اللَّه عليك ، فإنك تحتاج إلى رحمته ، وإلى أخذه بيدك ، في أوقات شدائدك ، فكما تحبّ أن يغفر لك ، كذلك غيرك ، يؤمّل عفوك ، وفكَّر بأيّة ليلة بات المذنب قلقا لخوفه منك ، وما يتوقّعه من عقوبتك واعرف مقدار ما يصل إليه من السرور ، بزوال الرعب عنه ، ومقدار الثواب الذي يحصل لك ، بذلك ، واذكر قوله تعالى : * ( أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ ا للهُ لَكُمْ ) * ، وإنما يشتد ذلك عليك مرّتين ، أو ثلاثا ، ثم تصير عادة لك ، وخلقا ، فيسهل . فابتدأ بجكم ، فعمل بما قال له « 1 » ، المنتظم 6 / 321
هامش
« 1 » وردت القصة في تجارب الأمم 1 / 417 - 419 ووردت في تاريخ الحكماء 192 و 193 .