تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
إلى السلطان من صحبه من الحنابلة أن الشيخ مخالف لرأيه مباين لمذهبه ، وأنه يقدح فيمن يعتقده ويذمه ويسبه ، فأتهمهم السلطان في ذلك ، وطلب منهم تحقيقه عنده ، فاجتمعوا وكتبوا فتيا في مسألة الكلام وأرسلوها إلى الشيخ ، وكان قد اتصل به خبر مكيدتهم ، فلما أتته كتب عليها بما يعتقده من تعظيم اللَّه تعالى وتنزيهه وتوحيده ، وأنه حي مريد سميع بصير عليم ، قدير متكلم قديم أزلي ليس بحرف ولا صوت ولا يتصور في كلامه أن ينقلب مدادا في الألواح والأوراق ، بل الكتابة من أفعال العباد ، ولا يتصور في أفعالهم أن تكون قديمة ، ويجب احترامها لدلالتها على ذاته ، كما يجب احترامها لدلالتها على صفاته . وأطال في الفتيا وبسط الكلام واستدل ، ونفى عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللَّه ، وأكابر أصحابه خلاف ذلك ، وأخرج الفتيا من يده وقد تحقق ما يؤول أمرها إليه ، فعرضت على السلطان ، ومن عرضها لا يشك أن فيها سفك دم الشيخ . فلما وقف عليها استشاط غضبا وقال : صح عندي ما قالوه عنه ، وتكلم في حقه بأشنع الكلام ، وكفره ، وكان ذلك في شهر رمضان ، وقد اجتمع على سماطه القضاة والعلماء ، فما استطاع أحد منهم أن يرد عليه لما عنده من الحرج . فقال بعضهم : السلطان أولى بالعفو والصفح لا سيما في مثل هذا الشهر ، وموّه آخرون بكلام يوهم صحة فذهب خصمه ، ثم انفصلوا من المجلس . فنهض في ذلك الشيخ جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب المالكي ، رحمه اللَّه تعالى ، وهو عالم مذهبه في زمانه . واجتمع بالقضاة والأعيان الذين حضروا المجلس ، ووبخهم ولامهم وشدد عليهم النكير كونهم ما ذكروا الحق وكونهم سألوا العفو والصفح ، وقال : هذا يوهم الذنب ، ولم يزل إلى أن أخذ