تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
فقال طليحة بن خويلد الأسدىّ : أرى أن تبعث خيلا مؤدية لينشبوا القتال ، فإذا اختلطوا بهم رجعوا إلينا استطرادا ، فإنّا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم ، فإذا رأوا ذلك طمعوا وخرجوا إلينا . فقاتلناهم حتّى يقضى اللَّه فيهم وفينا ما أحبّ ، فأمر [ النعمان ] القعقاع بن عمرو ، وكان على المجرّدة ، فأنشب القتال ، وأخرجهم من خنادقهم كأنّهم جبال من حديد ، وقد تواثقوا [ 1 ] ألَّا يفرّوا وقرن بعضهم ببعض ، كلّ سبعة في قران ، وألقوا حسبك الحديد بينهم ؛ لئلَّا ينهزموا ، فلمّا خرجوا نكص القعقاع ، فاغتنمتها الأعاجم ففعلوا كما ظنّ طليحة . وقالوا : هي هي . ولحق القعقاع بالنّاس ، وانقطع الفرس عن حصنهم ، وأمر النّعمان أصحابه أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم ، ففعلوا ، واستتروا بالحجف [ 2 ] من الرّمى ، وأقبل المشركون يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراح ، والنّعّمان ينتظر بالقتال أحبّ السّاعات كانت إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ؛ وذلك عند الزّوال ، فلمّا كان قريبا من تلك الساعة ركب النّعمان فرسه ، وسار في النّاس يحرّضهم على القتال ، ويذكَّرهم ويمنّيهم الظَّفر ، وقال : إنّى مكبّر ثلاثا ، فإذا كبّرت الثالثة فإنّى حامل ، فاحملوا ، فإن قتلت فالأمير بعدى حذيفة ، فإن قتل ففلان ، حتى عدّ سبعة آخرهم المغيرة ، ثم قال : اللهمّ أعزز دينك بنصر عبادك . وقيل : بل قال : اللَّهمّ إنّى أسألك أن تقرّ عيني اليوم بفتح يكون فيه عزّ الإسلام ، واقبضنى شهيدا .
هامش
[ 1 ] ابن الأثير : « توافقوا » . [ 2 ] الحجف : التروس من جلود بلا خشب .