يجيب اللَّه دعوته ، فما دعا على أحد إلا استجيب له . ودعا أن يعزّ اللَّه الإسلام بعمر أو بأبى جهل فاستجيب له في عمر رضى اللَّه عنه ؛ قال ابن مسعود : ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر . وقال لأبى قتادة : « أفلح وجهك ، اللهم بارك له في شعره وبشره « 1 » » فمات وهو ابن سبعين سنة وكأنّه ابن خمس عشرة . وقال للنابغة :
« لا يفضض « 2 » اللَّه فاك » قال : فما سقطت له سنّ ، وكان ، أحسن الناس ثغرا « 3 » ، إذا سقطت له سنّ نبتت له أخرى ، وعاش عشرين ومائة سنة ، وقيل : أكثر .
ودعا لعبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما : « اللهم فقّهه في الدين وعلمه التأويل » فسمى بعد الحبر وترجمان « 4 » القرآن . ودعا لعبد اللَّه بن جعفر بالبركة في صفقة « 5 » يمينه ؛ فما اشترى شيئا إلا ربح فيه . ودعا للمقداد بالبركة ؛ فكان عنده غرائر من المال .
ودعا كذلك لعروة بن أبي الجعد ، قال : فلقد كنت أقوم بالكناسة « 6 » فما أرجع حتى أربح أربعين ألفا . ودعا لعلىّ أن يكفى الحرّ والقرّ ، فكان يلبس في الشتاء ثياب الصيف ، وفى الصيف ثياب الشتاء ، ولا يصيبه حرّ ولا برد . ودعا على مضر فأقحطوا حتى استعطفته قريش فدعا لهم فسقوا . وتقدم خبره في دعائه في الاستسقاء والاستضحاء « 7 » . ودعا على كسرى أن يمزّق ملكه فلم يبق له باقية ، ولم تعد لفارس مملكة . وقال لرجل رآه يأكل بشماله : « كل بيمينك » قال : لا أستطيع ، فقال :
« لا استطعت » « 8 » فلم يرفعها إلى فيه بعد . وقال في عتبة بن أبي لهب : « اللهم سلَّط
هامش
« 1 » البشر : ظاهر الجلد واليد ، والمراد الدعاء له بأن يبقى معمرا على أحسن تقويم ، كاملا جميع أعضائه .
« 2 » لا يفضض : لا يسقط اللَّه أسنانك ، من فضه إذا كسره .
« 3 » الثغر : الفم .
« 4 » الترجمان : الذي ينقل الكلام من لغة إلى لغة ، فتفسير ابن عباس لكلام اللَّه نقل لمعانيه إلى فهوم الناس .
« 5 » أي في بيعه وشرائه ، وخص اليمين لأن الأخذ والعطاء بها .
« 6 » الكناسة : سوق مشهورة بالكوفة .
« 7 » الاستضحاء : بروز الأرض للشمس ، وظهورها بعدم النبات فيها .
« 8 » إنما دعا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عليه لأنه كان متعنتا إذ كان مستطيعا الأكل بيمينه ، ولم يرفعها لأنها شلت ، وهذا كذلك الذي خطب ابنته منه فقال له : إنها برصاء ولم يكن بها برص فلما ذهب إليها وجدها قد برصت .