إذا غيّبت عنّى حبيشه مرّة
من الدهر لم أملك عزاء ولا صبرا
كأنّ الحشا حرّ السعير يحشّه « 1 »
وقود الغضى فالقلب مضطرم جمرا
قال : وجعل يراسل الجارية وتراسله ، حتى علقته كما علقها ، وكثر قوله الشعر فيها ، فمن ذلك قوله « 2 » :
حبيشة هل جدّى وجدّك جامع
بشملكم شملي وأهلكم أهلي ؟
وهل أنا ملتّف بثوبك مرّة
بصحراء بين الأيكتين إلى النّخل ؟
ومرتشف من ريق ثغرك مرّة
كراح ومسك خالطا عسل النّحل
فلما بلغ أهلها خبره ، حجبوها عنه مدّة ، وهو يزيد غراما بها ، ويكثر قوله الشعر فيها ، فأتوها فقالوا لها : عديه السّرحة ، فإذا أتاك فقولي له : نشدتك اللَّه إن أحببتنى فما على الأرض شئ أبغض إلىّ منك ، ونحن قريب نسمع ما تقولين ؛ فواعدته ، وجلسوا قريبا يسمعون ، وجلست عند السرحة ، وأقبل عبد اللَّه لموعدها ، فلمّا دنا منها دمعت عينها ، والتفتت حيث أهلها جلوس ، فعرف أنهم قريب ، فرجع ، وبلغه ما أمروها به أن تقوله ، فأنشأ يقول :
فلو قلت ما قالوا لزدت جوى جو « 3 »
على أنه لم يبق ستر ولا صبر
ولم يك حبّى عن نوال بذلته
فيسلينى عنك التجلَّد والهجر « 4 »
وما أنس م الأشياء لم أنس دمعها
ونظرتها حتى يغيّبنى القبر
هامش
« 1 » حش النار : أوقدها .
« 2 » في الأغانى خلاف في رواية بعض الأبيات .
« 3 » رواية الأغانى :لو قلت ما قالوا لزدت جوى بكم.
« 4 » رواية الأغانى :فيسلينى عنه التجهم والهجر.