اشتدت على الناس في بعض الخندق كدية « 1 » ، فشكوها إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ، ثم دعا بما شاء اللَّه أن يدعو ، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكدية ، فيقول من حضرها : فو لذي بعثه بالحق لأنهالت حتى عادت « 2 » كالكثيب ، لا تردّ فأسا ولا مسحاة .
قالوا : وفرغوا من حفر الخندق في ستّة أيام ، وكانوا يعلمون فيه نهارا وينصرفون ليلا ، ورفع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم النساء والصبيان في الآطام ، وخرج رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يوم الاثنين لثمان مضين من ذي القعدة ، وكان يحمل لواء المهاجرين زيد بن حارثة ، ويحمل لواء الأنصار سعد بن عبادة . وأقبلت قريش ومن شايعها وتابعها ، واجتمع إليها بعد فراغ الخندق ، فصار الخندق بين رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وبينهم ، وظهور المسلمين إلى سلع ، وخرج حيىّ ابن أخطب حتى أتى كعب بن أسد القرظي ، صاحب « 3 » عقد بني قريظة ، وكان قد وادع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على قومه وعاقده ، فأغلق كعب دون حيى باب حصنه ، وأبى أن يفتح له ، فناداه حيّى : ويحك يا كعب ! افتح لي . قال : ويحك ! إنك امرؤ مشئوم ، وإني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه ، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا . فعادوه مرارا ، وهو يأبى عليه حتى [ قال « 4 » له حيىّ ] : واللَّه إن « 5 » أغلقت دونى إلا عن جشيشتك « 6 » أن آكل معك « 7 » .
هامش
« 1 » الكدية : الحجر الصلد الضخم ، والشىء الصلب بين الحجارة والطين ، والأرض الغليظة .
« 2 » في أ : « عاد » .
« 3 » في أ : « وصاحب » .
« 4 » مبين القوسين ساقط من أ .
« 5 » في أ : « إني » .
« 6 » الجشيشة : واحدة الجشيش ، وهو أن تطحن الحنطة طحنا جليلا ، ثم تنصب به القدر ويلقى عليها لحم أو تمر فيطبخ ، ويقال لها : دشيشة .
« 7 » كذا وردت هذه العبارة في أ ، ج . وفى المواهب : « واللَّه إن أغلفت دونى إلا تخوفا على جشيشتك أن آكل معك منها » .