ومن الصعيد إلى حدّ أخميم . وكان ينزل مدينة الأشمونين وله بنيت وباسمه سمّيت ، وكان طولها اثنى عشر ميلا في مثلها . قال إبراهيم : وأشمون أوّل من اتّخذ الملاعب بأنصنا والبهنسا وغيرها ، وبنى القصور وغرس الغروس ، وبنى مدينة تعرف بقمنطر ذات العجائب ، وهى بالقرب من مدينة السحرة التي تقدّم ذكرها في أخبار منقاوش . قال : وفى وسط هذه المدينة قبّة تمطر شتاء وصيفا مطرا خفيفا ، وتحت القبّة مطهرة فيها ماء أخضر يتداوى به من كل داء فيبرئه ، وفى شرقها سرب لطيف له أربعة أبواب ، لكل باب منها عضادة صورة وجه يخاطب كل واحد منها صاحبه بما يحدث في قومه ، ومن دخل تلك البربا على غير طهارة نفخوا عليه فأصابته علَّة فظيعة لا تفارقه إلى أن يموت . وكانوا يقولون إنّ في وسطه مهبط النور وهو في صورة العمود ، من اعتنقه لم يحتجب عن نظره شئ من الروحانيّات ، ويسمع كلامهم ويرى ما يعملون ، وعلى كل باب من أبواب هذه المدينة صورة راهب في يده مصحف فيه علوم الكهنة ، فمن أحبّ ذلك العلم أتى تلك الصورة فمسحها بيديه وأمرّهما على صدره ، فيثبت ذلك العلم في صدره . ويقال : إن هاتين المدينتين قمنطر ومدينة السحرة بنيتا على اسم هرمس وهو عطارد ، وأنهما بحالهما .
قال : وحكى عن رجل أنه أتى عبد العزيز بن مروان ، وهو على مصر ، فعرّفه أنه تاه في صحراء الشرق وأنه وقع على مدينة خراب ، وأنه وجد فيها شجرة تحمل من كل فاكهة ، وأنه أكل منها وتزوّد ؛ فقال له رجل من القبط : هذه إحدى مدينتى هرمس وفيها كنوز كثيرة ؛ فوجّه عبد العزيز معه جماعة وحمل معهم زادا وماء ، فأقاموا يطوفون شهرا في تلك الصحارى فلم يقفوا لها على أثر . ويقال : إن أشمون عمل في وقته على باب الأشمونين إوزّة من نحاس ، فكان الغريب إذا دخل المدينة صاحت الإوزّة وخفقت بجناحيها فيعلم به ، فإن أحبّوا منعوه ، وإن أحبّوا تركوه .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 70
مساهمون: النويري
ص٧٠