تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
في هياكلهم جميعا ، فعمل له تمثالها من ذهب بذؤابتين من ذهب أسود ، وألبست حلَّة من جواهر منظومة وجعلت جالسة على كرسىّ ، فكانت تجعل بين يديه في موضع تجلس فيه يتسلَّى بذلك عنها ، فدفنت معه عند رجليه . وملك بعده ابنه مناوش بن منقاوش ؛ ملك بوصيّة من أبيه ، فطلب الحكمة على عادة أبيه واستخرج كتبها وأكرم أهلها ، وبذل فيهم الجوائز وطلب الإغراب في عمل العجائب ، وكان كل واحد من ملوكهم يجهد جهده في أن تعمل له غريبة من الأعمال لم تعمل لمن كان قبله وتثبت في كتبهم وتزبر على الحجارة في تواريخهم . قال : ومناوش هذا أوّل من عبد البقر من أهل مصر ، وكان السبب في ذلك أنه اعتلّ علَّة يئس منه فيها ، وأنه رأى في منامه صورة روحانىّ عظيم يخاطبه ويقول له : إنك لا يخرجك من علَّتك إلا عبادة البقر لأن الطالع كان وقت حلولها بك في صورة ثور بقرنين ؛ ففعل ذلك ، وأمر بأخذ ثور أبلق حسن الصورة ، وعمل له مجلسا في قصره وسقفه بقبّة مذهبة ، فكان يبخّره ويطيّب موضعه ، ووكَّل به سادنا يقوم به ويكنس تحته ، وكان يتعبّد له سرّا من أهل مملكته ، فبرأ من علَّته وعاد إلى أحسن أحواله . ويقال : إنه أوّل من عمل العجل وضبّبها بالذهب ، وعمل فيها قبابا من الخشب المذهبة وفرشت بأحسن الفرش ، وكان يركب عليها مع من أحبّ . وقيل : إنه عمل له ذلك في علَّته لأنه كان لا يقدر على الركوب ؛ وكانت البقر تجرّه فإذا مرّ بالمكان النزه أقام فيه ، وإن مرّ بالمكان الخراب أمر بعمارته . وقيل : إنه نظر إلى ثور أبلق من البقر الذي يجرّ عجلته فأعجبه حسن بشرته فأمر بترفيهه وسوقه بين يديه إلى كل موضع يسلكه إعجابا به ، وجعل عليه جلَّا من الدّيباج المنسوج بالذهب ، فلما كان في بعض الأيام - وقد خلا في موضع منفرد عن أتباعه والثور قائم بين يديه -
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 67 | النويري