كلّ رجل منكم رأيه وما يحضره فإني متى أسمع الحزم أعرفه ، فقال كلّ منهم ما عنده ، وأكثم [ ساكت ] لا يتكلَّم ، حتى قام النعمان بن الجسّاس فقال : يا قوم ، أنظروا ماء يجمعكم ولا يعلم الناس بأىّ ماء أنتم حتى تنفرج الحلقة عنكم ، وقد صلحت أحوالكم ، وانجبر كسيركم ، وقوى ضعيفكم ، ولا أعلم ماء يجمعكم إلَّا قدّة ، فقال أكثم : هذا [ هو « 1 » ] الرأي ، فارتحلوا حتى نزلوا الكلاب ، وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم ، وأعلاه مما يلي اليمن ، وأسفله مما يلي العراق . فنزلت سعد والرّباب بأعلى الوادي ، ونزلت حنظلة بأسفله .
قال : وكانوا لا يخافون أن يغزوا في القيظ ، لبعد تلك الصحارى وشدّة الحرّ بها وقلة المياه ، فأقاموا بقيّة القيظ لا يعلم أحد بمكانهم ، حتى إذا تهوّر « 2 » القيظ بعث اللَّه ذا العيينتين ، وهو من أهل مدينة هجر ، فمرّ بقدّة وصحاريها ، فرأى ما بها من النّعم ، فانطلق حتى أتى أهل هجر فقال : هل لكم في جارية عذراء ، ومهرة شوهاء « 3 » ، وبكرة حمراء ، ليس دونها نكبة ؟ قالوا : ومن لنا بذلك ؟ قال : تلكم تميم ألقاء « 4 » مطروحون بقدّة . فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا : اغتنموها من بنى تميم .
فأخرجوا معهم أربعة أملاك يقال لهم اليزيديون : يزيد بن هوبر ، ويزيد بن عبد المدان ، ويزيد بن المأموم ، ويزيد بن المخرّم ، وهم كلَّهم حارثيّون ومعهم عبد يغوث الحارثىّ ، وم كان كلّ واحد منهم على ألفين ، فمضوا حتى إذا كانوا ببلاد باهلة قال جرير بن جزء الباهلىّ لابنه : يا بنىّ ، هل لك في أكرومة لا يصاب أبدا مثلها ؟ قال : وما ذلك ؟ قال : هذا الحىّ من تميم قد لجأوا هاهنا مخافة كسرى ، وقد قصصت أثر الجيش يريدونهم ، فاركب جملي الأرحبىّ ، وسرسيرا رويدا
هامش
« 1 » التكملة من العقد الفريد .
« 2 » تهوّر القيظ : ذهب .
« 3 » الشوهاء من الخيل : الطويلة الرائعة .
« 4 » ألقاء : جمع لقى ، وهو ما طرح على الأرض .