ثم إنّ المهلهل فرّ بنفسه فنزل بمذحج في بنى جنب « 1 » ، فخطبوا اليه ابنته ، وقيل أخته ، فمنعهم ، فأجبروه على تزويجها وساقوا اليه جلودا من أدم ، فقال في ذلك :
أعزز على تغلب بما لقيت
أخت بنى الأكرمين من جشم
أنكحها فقدها الأراقم « 2 » في
جنب وكان الخباء من أدم
لو بأبانين « 3 » جاء يخطبها
ضرّج ما أنف خاطب بدم
ليسوا بأكفائنا الكرام ولا
يغنون في ذلَّة ولا عدم
ثم اشترى المهلهل عبدين يغزوان معه ، فغزا بهما حتى طال عليهما ذلك ، فاختارا الراحة منه ، فأجمعا على قتله بموضع قفر ، فلمّا شعر بما همّا به ولم ير لنفسه ملجأ قال لهما : أبلغا عنّى هذه المراسلة ، فقالا هات ، فقال :
من مبلغ عنّى بأنّ مهلهلا
للَّه درّكما ودرّ أبيكما
فلمّا قتلاه وانصرفا نحو بيته فقالا : مات بأرض كذا وذكرا وصيتّه ، فلم يدر أحد ما أراد ، فقالت ابنته : واللَّه ما كان أبى ردىّ الشعر ، ولا سفساف الكلام ، وإنما أراد أن يخبركم أنّ العبدين قتلاه ، وإنما معنى البيت :
من مبلغ عنّى بأنّ مهلهلا
أضحى قتيلا بالفلا مجدّلا
للَّه درّكما ودرّ أبيكما
لا يبرح العبدان حتّى يقتلا
فقتل العبدان بعد أن أقرّا بذلك . وقيل : إنه أصبح قتيلا بين رجلي جمل هاج . واللَّه تعالى أعلم بالصواب .
هامش
« 1 » جنب : حىّ سن مذحج ، وهم ستة رجال : منبه والحارث والعلى وسيحان وشمران وهفان يقال لهم جنب لأنهم جانبوا أخاهم صداء ( راجع معجم البلدان لياقوت ج 1 ص 77 طبع أوروبا ) .
« 2 » الأراقم : حىّ من تغلب .
« 3 » أبانين : جبلان ، قيل : يقال لأحدهما : أبان الأبيض ، وللآخر : أبان الأسود .