تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
قال : ولمّا قبض على كسرى خلَّف في بيت المال من الورق « 1 » أربعمائة ألف بدرة سوى الكنوز والذخائر والجواهر والآلات . وكان وزيره والقائم بتدبير دولته بزرجمهر الحكيم . ولبزرجمهر هذا قضايا وحكم ومواعظ في أيدي الناس . ويقال : إنّ بزرجمهر هذا إنما كان وزيرا لكسرى أنو شروان ، وهو الذي قتله . وذلك أنّ بزرجمهر ترك المجوسيّة ورجع إلى دين عيسى بن مريم عليه السلام ودان به ، فقتله كسرى لذلك . ويقال : إنه وجد في منطقته لمّا قتل كتاب فيه : إذا كان القدر حقّا فالحرص باطل ، وإذا كان الغدر في الناس طباعا فالثّقة بكلّ أحد عجز ، وإذا كان الموت نازلا فالطَّمأنينة إلى الدنيا حمق . قالوا : ولمّا بلغ بزرجمهر من العمر خمس عشرة سنة دخل على كسرى ، وقد جلست الوزراء على كراسيها والمرازبة « 2 » في مجالسها . فوقف وحيّا الملك بتحيّة الملوك ثم قال : الحمد للَّه المأمون نعمه ، المرهوب نقمه ، الدالّ عليه ، بالرغبة اليه ، المؤيّد الملك ، بسعوده في الفلك ، حتّى رفع شأنه ، وعظم سلطانه ، وأنار به البلاد ، وأنعش به العباد ، وقسّم به في التقدير ، وجوه التدبير ، فرعى رعيّته بفضل نعمته ، وحماها الموبلات ، وأوردها المعشبات ، وذاد « 3 » عنها الأكَّالين ، وألَّفها بالرّفق واللين ، إنعاما من اللَّه عليه ، وتثبيتا لما في يديه . وأسأله أن يبارك له فيما آتاه ، ويخيّر له فيما استرعاه ، ويرفع قدره في السماء ، ويسير ذكره على وجه الماء ، حتى لا يبقى له بينهما مناوى ، ولا يوجد له مساوى . وأستوهب اللَّه له
هامش
« 1 » الورق : الدراهم المضروبة من الفضة . « 2 » المرازبة : رؤساء الفرس . « 3 » الأصل : « ودادها » والسياق يقتضى ما أثبتناه .