تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
بواره ، وقد تمّ في هذا الوقت ما دبّرناه ، وميعادك في الإيقاع به يوم كذا وكذا ، ثم دعا راهبا في دير بجوار مدينته وقال له : أىّ جار كنت لك ، قال : أفضل جار ، فقال : قد بدت لنا إليك حاجة ، فقال الراهب : الملك أجلّ من أن يكون له إلىّ حاجة ، ولكن عندي بذل نفسي ، فما الذي يأمر به الملك ؟ قال كسرى : تحمل لي كتابا إلى فلان صاحبي ، قال نعم ، قال كسرى : ستمرّ بأصحابك النصارى فأخفه ، فلما ولَّى عنه الراهب قال له كسرى : أعلمت ما في الكتاب ؟ قال لا ، قال : فلا تحمله حتى تعلم ما فيه . فلما قرأه أدخله في جيبه ثم مضى . فلما صار في عسكر الروم ونظر إلى الصّلبان والقسّيسين وضجيجهم بالتقديس والصلوات احترق قلب الراهب وأشفق عليهم وقال في نفسه : أنا شرّ الناس إن حملت بيدي حتف النصرانية ، وهلاك هؤلاء الخلق ؛ فصاح الراهب : أنا لم يحملني الملك كسرى رسالة ولا معي كتاب ، فأخذوه فوجدوا الكتاب معه ، وقد كان كسرى أيضا وجّه رسولا قبل ذلك وأمره أن يمرّ بعسكر الروم كأنه رسول إلى كسرى من صاحبه الذي وافق ملك الروم ومعه كتاب فيه : إنّ الملك كان قد أمرني بمقاربة ملك الروم ، وأن أخدعه وأخلى له الطريق ، فيأخذه الملك من أمامه وآخذه أنا من خلفه ، وقد فعلت ذلك ، فرأى الملك في إعلامى وقت خروجه اليه . فأخذ ملك الروم الرسول وقرأ الكتاب وقال : قد عجبت من أن يكون هذا الفارسىّ معي على كسرى ، ووافاه كسرى أبرويز فيمن أمكنه من جنده ، فوجد ملك الروم قد ولَّى هاربا فاتبعه يقتل ويأسر من أدرك ، وبلغ صاحب كسرى هزيمة الروم فأحبّ أن يخلى نفسه ويستر ذنبه . فلمّا فاته ما دبّر خرج خلف ملك الروم يقتل فيهم ويأسر ، فلم يسلم منهم إلَّا القليل .