وفى أيام مانى هذا ظهر اسم الزنادقة الذين أضيفت إليهم الزندقة . وذلك أن الفرس كان لهم كتاب يسمونه السنا ، وكان له شرح يسمى الزند . فكان من أتاهم بزيادة على ما في كتابهم يسمونه زنديا . فلما جاءت العرب أخذت هذا المعنى من الفرس فعربته وقالت زنديق . فالثنوية هم الزنادقة ، فألحق هذا الاسم بسائر من اعتقد القدم وأبى حدوث العالم وأنكر البعث .
والذي أتى الفرس بهذا الكتاب زرادشت في زمن الفرس الأوّل . وقد قدّمنا ذكره في أخبار بشتاسف . وهذا زرادشت هو الذي تزعم المجوس أنه نبيّها الذي أرسل إليها . وكان زرادشت خادم شعيا فدعا شعيا عليه فبرص . وكان صاحب نيرجات « 1 » وسحر . وكان يحزر « 2 » بعض الكوائن قبل أن تقع مما كان قد سمعه من شعيا وقت خدمته له ، وادّعى النبوّة في المجوس وعمل لهم الكتاب الذي قدّمنا ذكره ، وزعم أنه أنزل عليه من السماء ، وجعل كلامه فيه يدور على نيّف وسبعين حرفا ، فلم يقدر أحد منهم على قراءته فاختصره لهم وسمى مختصره الزند .
فلما قام مانى بدين الثنوية سمته المجوس « زندين » وسموا أصحابه الزنادنة لأنه زاد في شرعهم الذي شرعه لهم زرادشت ، فقتل بهرام هذا مانيا وصلبه على باب « 3 » من أبواب مدينة من مدنه بالعراق ؛ فيدعى ذلك الباب إلى آخر وقت باب مانى .
وكانت مدة ملك بهرام ثلاثا « 4 » وثلاثين سنة وثلاثة أشهر .
ثم ملك بعده ابنه بهرام بن بهرام . قال : ولما ملك أقبل في أوّل ملكه على اللهو والصيد والنّزه ، وترك ملكه لا يفكر فيه ولا في رعيته ؛ فخربت البلاد ونقصت
هامش
« 1 » النيرجات : جمع نيرج . والنيرج : أخذ كالسحر وليس بسحر ، إنما هو تشبيه وتلبيس .
« 2 » حزر الشئ : قدّره بالحدس .
« 3 » في تاريخ الطبري ( ص 834 من القسم الأول طبع أوروبا ) : « فأمر بقتله وسلخ جلده وحشوه تبنا وتعليقه على باب من أبواب جنديسابور يدعى باب المانى » .
« 4 » في تاريخ الطبري : « ثلاث سنين » .