ثوبها وهى مثقلة لا تكاد تقوم . فانطلقا في سواد الليل من بيت لحم يؤمّان الجبال ، حتى إذا كانا ببعض الطريق بين نخلات ينزلها الرّكبان ، بينهنّ أوارىّ « 1 » مبنيّة بناها السّفر « 2 » ليعلَّقوا فيها دوابّهم . فنزلا ذلك المنزل ، فأدركها المخاض ، فالتجأت إلى بعض تلك الأوارىّ وهو في أصل جذع نخلة يابس قحل ليس فيه عراجين « 3 » ولا غيرها ، فأنبته اللَّه تعالى وأثمره حتى أظلَّها وأكنّها وتدلَّت عليها غصونه من كل جانب حتى سترها السّعف والعراجين . واشتدّ بها الطَّلق وداومها سبع ليال ، وأشرفت على الموت ، فقالت ما أخبر اللَّه تعالى به عنها ، قال اللَّه تعالى : * ( فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا « 4 » * ( * . قال : واشتدّ عليها البرد ، فعمد يوسف إلى حطب فجعله حولها كالحظيرة ، ثم أشعل فيه النار فأدفأها ، وكسر لها سبع جوزات فأكلتها . فمن أجل ذلك توقد النصارى النار ليلة الميلاد وتلعب بالجوز . قال وقال كعب : إنها خرجت منفردة ، فلمّا فقدها زكريّا أهمّه ذلك ، وبعث يوسف النجّار في طلبها ، فجاء حتى نظر إليها تحت النخلة . قال : ولمّا شكت من ألم الولادة ما شكت وقالت : « يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسيا منسيا » أي لا تعرف ولا تذكر * ( فَناداها مِنْ تَحْتِها ) * - قيل : إن الذي ناداها عيسى . وقيل : جبريل - * ( أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) * وهو الجدول الصغير . قالوا : كان نهرا من ماء عذب ، يكون باردا إذا شربت منه ، وفاترا إذا استعملته * ( وهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ) * أي نضيجا * ( فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْناً ) * أي كلى واشربي من الماء الذي أنبعه اللَّه لك وقرّى عينا بهذا الولد * ( فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً ) * أي صمتا * ( فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ) *
هامش
« 1 » أوارىّ جمع آرىّ وهو محبس الدابة .
« 2 » السفر : جماعة المسافرين .
« 3 » عراجين : جمع عرجون ، وهو أصل العذق الذي يعوج وتقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابسا . سمى بذلك لا نعراجه .
« 4 » سورة مريم آية 23 وما بعدها .