تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
منهما . فكان أوّل من أنكر حمل مريم يوسف النجّار . فلما رأى ما بها استعظمه وقطع به ولم يدر على ماذا يضع أمرها . فكان إذا أراد أن يتّهمها ذكر صلاحها وعبادتها وبراءتها وأنها لم تغب عنه ، وإذا أراد أن يبرّئها رأى الذي ظهر بها من الحمل . فلما اشتدّ ذلك عليه كلَّمها ، فكان أوّل ما كلَّمها به أن قال لها : إنه قد وقع في نفسي منك ومن أمرك شئ ، وقد حرصت على أن أكتمه فغلبنى ذلك ورأيت أنّ الكلام فيه أشفى لصدرى . فقالت : قل قولا جميلا . قال : خبّرينى يا مريم ، هل ينبت زرع بغير بذر ؟ قالت نعم . قال : فهل تنبت شجرة بغير غيث يصيبها ؟ قالت نعم . قال : فهل يكون ولد من غير فحل ؟ قالت : ألم تعلم أنّ اللَّه عز وجل أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر ، والبذار إنما تكون من الزرع الذي كان أنبته من غير بذر ! . ألم تعلم أن اللَّه عز وجل أنبت الشجر من غير غيث ، وبالقدر جعل الغيث حياة الشجر بعد ما خلق كل واحدة على حدة ! . أو تقول إن اللَّه لا يقدر على إنباته ! . قال يوسف لها : لا أقول هذا ، ولكني أعلم أن اللَّه تبارك وتعالى يقدر على ما يشاء ، يقول لذلك : كن فيكون . فقالت له مريم : أو لم تعلم أن اللَّه تبارك وتعالى خلق آدم وامرأته حوّاء من غير ذكر ولا أنثى ! . قال بلى . فلمّا قالت له ذلك وقع في نفسه أن الذي بها شئ من أمر اللَّه ، وأنه لا يسعه أن يسألها عنه ، وذلك لما رأى من كتمانها . وقال الكسائىّ : لما قال يوسف لمريم : هل يكون ولد من غير فحل ؟ قالت : نعم ، آدم من غير أب وأمّ . قال صدقت . ثم قال : هذا الولد الذي في بطنك من أبوه ؟ قالت : هذا هبة ربّى لي ، ومثله كمثل آدم خلقه من تراب . فنطق عيسى في بطنها وقال : يا يوسف ما هذه الأمثال التي تضربها ! قم فاشتغل بصلاتك واستغفر لذنبك مما قد وقع في قلبك . فقام يوسف وجاء إلى زكريّا وأخبره ، فاغتمّ وقال لامرأته : إنّ مريم حامل ، وأخاف من فسّاق
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 212 | النويري