تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
وكان يسمّى يتيم بني إسرائيل ، حتى أتت عليه سبع سنين ، فأقبل على أمه فقال : يا أمّاه ، لا ينبغي أن تذهب أيّامى بالبطالة ، وأريد أن تلبسينى ثوبا من الصوف حتى ألحق بالعبّاد وأكون معهم . فقالت : يا بنىّ ، أنت صغير ولم يأن لك أن تسيح . فلم يزل بأمّه حتى أجابته إلى ذلك ولحق بالعبّاد واشتهر ذكره فيهم بكثرة العبادة حتى استكمل من العمر خمسا وعشرين سنة ، فرأى في منامه : إنّ اللَّه يأمرك أن تمضى إلى مدينة الرّملة « 1 » فإنّ فيها وليّا من أوليائي وله ابنة عفيفة فتزوّجها منه . فلمّا أصبح عزم على المسير ، وصحبه جماعة من بني إسرائيل من أصحابه ، وسار حتى دخل مدينة الرّملة ، وسأل عنه فقيل : إنه في السّوق يبيع ويشترى . فعجب يونس من ذلك وجاء إلى السّوق فرآه وهو يبيع الطَّيب ويكثر الضّحك . فقال يونس : ليس هذا من صفات الأولياء والعبّاد . فنظر إليه زكريّا « 2 » وقام إليه وصافحه وسلَّم عليه باسمه واسم أبيه . قال : وكيف عرفتني ؟ قال : رأيتك في المنام وأمرت أن أزوّج ابنتي منك . وتوجّه به إلى منزله وقدّم له الطعام فأكلا ، وذكر له رؤياه وأنها سبب مسيره إلى الرملة ، ثم سأله عن مكسبه بالبيع والشراء فقال : أمّا البيع والشراء فمباح ، والتاجر فاجر إلَّا من أخذ الحقّ وأعطاه ، واتقى اللَّه ولم يمدح سلعته . فلمّا أقبل الليل نزع زكريّا ما كان عليه من الثياب ولبس الصوف ودخل محرابه ولم يزل في صلاته ودعائه وتضرّعه حتى أصبح ، فنزع الصوف ولبس ما كان عليه بالأمس وبرز إلى السوق ويونس معه ، فكان ذلك دأبه . ثم زوّج ابنته من يونس ووهب لها بعض ماله . وأقام يونس عنده ، ورزق اللَّه يونس من زوجته ولدين ومات زكريّا ، فاحتمل يونس زوجته إلى بيت
هامش
« 1 » الرملة : مدينة عظيمة بفلسطين ، بينها وبين بيت المقدس ثمانية عشر ميلا . « 2 » في الأصول : « زكريا عليه السلام » والمذكور هنا هو زكريا بن عبدان ، وليس زكريا النبىّ أبا يحيى عليهما السلام .