تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان يعلَّمهم عزير فوجدوه مثله ، فقالوا : واللَّه ما أوتى عزير هذا إلَّا وهو ابن اللَّه . وقال السّدّىّ وابن عبّاس في رواية عمّار بن ياسر : إنما قالت اليهود هذا لأنّ العمالقة ظهرت عليهم فقتلوهم وأخذوا التوراة وهرب علماؤهم الذين بقوا ودفنوا التوراة في الجبال وغيرها ، ولحق عزير بالجبال والوحوش ، وجعل يتعبّد في رؤس الجبال ولا يخالط الناس ولا ينزل إلَّا يوم عيد ، وجعل يبكى ويقول : يا ربّ تركت بني إسرائيل بغير عالم ، فبكى حتى سقطت أشفار عينيه ، فنزل مرّة إلى العيد ، فلمّا رجع إذا هو بامرأة قد تمثّلت له عند قبر من القبور تبكى وتقول : يا مطعماه ، ويا كاسياه ! . فقال لها عزير : يا هذه اتقى اللَّه واصبرى واحتسبي ، أما علمت أنّ الموت مكتوب على الناس ! . وقال لها : ويحك ! من كان يطعمك ويكسوك قبل هذا الرجل ؟ ( يعنى زوجها التي كانت تندبه ) . قالت له : اللَّه تعالى . قال : فإن اللَّه تعالى حىّ لا يموت . فقالت : يا عزير ، من كان يعلَّم العلماء قبل بني إسرائيل ؟ قال : اللَّه . قالت : فلم تبكى عليهم وقد علمت أنّ الموت حقّ وأن اللَّه حىّ لم يمت . فلمّا علم عزير أنه قد خصم ولَّى مدبرا . فقالت له : يا عزير ، لست بامرأة ولكنّى الدنيا . أما أنه ستنبع لك في مصلَّاك عين وتنبت لك شجرة ، فكلّ من ثمرة تلك الشجرة واشرب من ماء تلك العين واغتسل وصلّ ركعتين ؛ فإنه سيأتيك شيخ ، فما أعطاك فخذ منه . فلمّا أصبح نبعت العين في مصلَّاه ونبتت الشجرة ، ففعل ما أمرته به ، وجاء شيخ وقال له : افتح فاك ، ففتح فاه فألقى فيه شيئا كهيئة الجمرة العظيمة مجتمعا كهيئة القوارير ثلاث مرّات ، ثم قال له : ادخل هذه العين فامش فيها حتى تبلغ قومك . قال : فدخلها فجعل لا يرفع قدمه إلَّا زيد في علمه ، فرجع إليهم وهو أعلم الناس بالتوراة . فقال : يا بني إسرائيل ، قد جئتكم بالتوراة . فقالوا :
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 169 | النويري