تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨

ذكر خبر صخر الجنى

قال : وجمع سليمان - عليه السلام - عفاريت الجنّ والشياطين وأمرهم بإحضار صخر الجنىّ ، فقالوا : يا نبىّ اللَّه ، إنّ اللَّه قد أعطاه قوّة جماعة منّا ؛ ويصعب علينا حمله إليك ، وما لنا إلا أمر واحد وهو أنه يأتي في كل شهر إلى عين في جزيرة فيشرب ماءها . والرأي أن ننزفه منها ونملأها خمرا ، فإذا جاء وشربه وسكر ذهبت قوّته فنحمله ونأتيك به . ثم خرجوا ففعلوا ذلك ، واختفوا في تلك الجزيرة . فجاء صخر ليشرب فاشتمّ رائحة الخمر وقال : أيتها الخمرة إنك لطيّبة غير أنك تسلبين العقل وتجعلين الحليم جاهلا ، وأمرك كلَّه ندامة ، وانصرف ولم يشرب . ثم عاد في اليوم الثاني وقد أجهده العطش فقال : ما من قضاء يأتي من اللَّه إلا كان مبرما ، ثم نزل على العين فشرب حتى امتلأ ، ثم قام ليخرج فسقط ، فتبادرت العفاريت إليه ومعهم طابع خاتم سليمان ، فلما رآه ذلّ وخضع ، فحملوه حتى وقفوه بين يدي سليمان وهو يخرج من فيه لهب النيران ، ومن منخريه الدّخان . فلما عاين الخاتم ضعفت قوّته وخرّ ساجدا على وجهه ، ثم رفع رأسه وقال : يا نبىّ اللَّه ، سيزول هذا الملك عنك ولا يبقى إلا ذكره . قال : صدقت . ثم قال له : يا نبىّ اللَّه ، ما الذي أحوجك إلىّ وأنا بالعبد منك لا أختلط بالآدميين ؟ فقال له سليمان : إنّ الناس قد اشتكوا من وقع الحديد وصوته على الحجر . فقال : عليك بوكر العقاب وعشّه وبيضه ، فليس شئ من الطيور أبصر منه ، فأتى به . فوضعه في البرّيّة وغطَّاه بجام من القوارير شديد الصفاء فوضعه على عشّ العقاب . فجاء العقاب فلم يرعشّه ، فطار في الهواء حتى نظر إلى عشّه في تلك البرّيّة ، فانقضّ عليه وضرب الجام برجله ليكسره فلم يقدر على ذلك ، فطار وتعلَّق في الهواء وغاب يومه وليلته ، ثم أقبل صبيحة اليوم الثاني وفى منقاره قطعة من حجر السامور ، فانقضّ على الجام بذلك الحجر