وجعل الرجل يقول لأصحابه : تعالوا نجعل علينا رأسا وننصرف إلى مصر ؛ فذلك قوله تعالى إخبارا عنهم : * ( يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ ) * .
فلما قالوا ذلك وهمّوا بالانصراف إلى مصر ، خرّ موسى وهارون - عليهما السلام - سجّدا ، وخرق يوشع وكالب ثيابهما ، وهما الَّلذان أخبر اللَّه تعالى عنهما بقوله : * ( قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا ) * ، أي يخافون اللَّه .
وقرأ سعيد بن جبير ( يخافون ) بضم الياء .
قال : كانا من الجبّارين ، فأسلما واتبعا موسى . * ( أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوه فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ ) * ، لأن اللَّه تعالى منجز وعده ، وإنا أتيناهم فكانت أجسامهم عظيمة قويّة ، وقلوبهم ضعيفة ، فلا تخشوهم ، وعلى اللَّه فتوكَّلوا إن كنتم مؤمنين . فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة ، وقالوا : يا موسى إنّا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون .
فلما قالوا ذلك غضب موسى وقال : ربّ إنّى لا أملك إلَّا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين . وكانت عجلة عجلها موسى - عليه السلام - فظهر الغمام على قبّة الزمان ، وأوحى اللَّه تعالى إلى موسى : إلى متى يعصيني هذا الشعب ، وإلى متى لا يصدّقون بالآيات ؟ لأقتلنهم جميعا ، ولأجعلنّ بدلهم شعبا أشدّ وأكثر منهم .
قال موسى : إلهي لو أنّك قتلت هذا الشعب كلَّه كرجل واحد قالت الأمم الذين سمعوا : إنّما قتل هذا الشعب من أجل أنه لم يستطع أن يدخلهم الأرض المقدّسة ، فقتلهم في البرّيّة . وإنك طويل صبرك ، كثيرة نعمك ، وأنت تغفر الذنوب ، وتحفظ الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء ، فاغفر لهم ولا توبقهم .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 264
مساهمون: النويري
ص٢٦٤