في كلّ حين ؛ ومن لم يفصح بتعريف نفسه ، وتفضيل يومه على أمسه ، فهو مغبون في جنسه ، أنا حدق الحدائق ، ونزهة الرّامق ؛ أخطر بين جسد زبرجدىّ ، وفرع كافورىّ وعسجدىّ ؛ إلىّ ينسب حسن العيون ، وعندي يوجد ضعف الجفون :
تنافس فىّ نفوس الكرام
إذا ما أديرت كئوس المدام
فأسبى الجليس إذا ما حضرت
بلحظ الفتاة وقدّ الغلام
فأيقظ لمباهلته الأقحوان ، وقال : الآن آن ظهورى وحان ؛ ما هذه العجرفة والتّباهى ! لقد نطقت بعجائب النّواهى ؛ وتاللَّه ما صدقت سنّ بكرك « 1 » ، ولا امتاز عرفك من نكرك ؛ فبم تتيه على أقرانك ، وتتكبّر على سجرائك « 2 » وأخدانك ؟ ! أنسيت تنكيس رأسك بين النّدماء ، وإمساك رمقك ببلَّة من الماء ، وأنّك لا تبيت إلَّا موثقا محبوسا ، ولا تشمّ إلا صاغرا منكوسا ، ولا تستخدم إلَّا قائما ، ويا سوء يومك إذا أصبحت نائما ؟ ! ألا عطفت علىّ جيد الالتفات ، وأشرت إلىّ بأحسن الصّفات ، فقلت : للَّه درّك من زهر كملت محاسنه ، وصفا من غديره آسنه ، وتبسّم عن مؤشّر « 3 » الثغور ، وجمع فرعه بين لونى التبر والكافور ؛ فتتوّج بالتيجان المشرقة
هامش
« 1 » « ما صدقت سن بكرك » يريد لم تصدق في حديثك ؛ ومن أمثالهم في الصادق في حديثه وخبره : « صدقني سن بكره » قال الأصمعي : أصله أن رجلا ساوم رجلا ببكر أراد شراءه ، فسأل البائع عن سنه ، فأخبره بالحق ؛ فقال المشترى « صدقني سن بكره » فذهب مثلا ؛ وهذا المثل يروى عن علي - كرم اللَّه وجهه - أنه تكلم به في الكوفة . وقال في القاموس وشرحه : إن أصل هذا المثل أن رجلا ساوم في بكر فقال ما سنه ؟ فقال : بازل ؛ ثم نفر البكر ، فقال صاحبه له : ( هدع هدع ) بكسر ففتح فسكون ؛ وهذا لفظ يسكن به الصغار من ولد الناقة ؛ فلما سمعه المشترى قال : « صدقني سن بكره » . وقوله : « سنّ » يقرأ بالنصب ، أي عرفني سنّ بكره ؛ وبالرفع على أنه جعل الصدق للسنّ توسعا .
« 2 » السجراء : الأخلاء الأصفياء ، واحده سجير كأمير ؛ يقال ساجره ، أي صاحبه وصافاه .
« 3 » المؤشر من الأسنان : المحدّد المحزز يكون ذلك خلقة ومستعملا ؛ وهو من جمال الأسنان .