الرّسائل ، وصيغ فينا القريض ، وركَّبت في محاسننا الأعاريض ، فطمح بنا العجب ، وازدهانا الكبر ، وحملنا تفضيل من فضّلنا ، وإيثار من آثرنا ، على أن نسينا الفكر في أمرنا ، والتمهيد لعواقبنا ، والتّطييب لأخبارنا ؛ وادّعينا الفضل بأسره ، والكمال بأجمعه ؛ ولم نعلم أنّ فينا من له المزيّة علينا ، ومن هو أولى بالرآسة منّا ؛ وهو الورد الذي إن بذلنا الإنصاف من أنفسنا ، ولم نسبح في بحر عمانا ، ولم نمل مع هوانا ؛ دنّا له ، ودعونا اليه ؛ فمن لقيه منّا حيّاه بالملك ؛ ومن لم يدرك زمن سلطانه ، ودولة أوانه ؛ اعتقد ما عقد عليه ، ولبّى إلى مادعى اليه ؛ فهو الأكرم حسبا ، والأشرف زمنا ؛ إن فقد عينه لم يفقد أثره ، أو غاب شخصه لم يغب عرفه ؛ وهو أحمر والحمرة لون الدّم ، والدّم صديق الرّوح ؛ وهو كالياقوت المنضّد ، في أطباق الزّبرجد ، عليها فريد العسجد ؛ وأمّا الأشعار فبمحاسنه حسنت ، وباعتدال زمانه وزنت .
وفى فصل منها : وكان ممّن حضر هذا المجلس من رؤساء النّوّار والأزهار ، النّرجس الأصفر والبنفسج والبهار ؛ والخيرىّ - وهو « 1 » النّمّام - فقال النرجس
هامش
« 1 » الذي وجدناه في كتب النبات أن الخيري غير النمام ، وليس هو ، كما في هذه العبارة ، فان الخيري هو النبات المعروف بالمنثور ، وهو الخزامى ، كما في مباهج الفكر ؛ ونقل ابن البيطار عن ديسقور يدوس في الكلام على الخيري : أنه نبات له زهر مختلف ، بعضه أبيض ، وبعضه فرفيرى ، وبعضه أصفر ؛ وذكر صاحب عمدة المحتاج ج 2 ص 441 نقلا عن أطباء العرب أن الخيري اسم يوناني أو نبطي ، ثم ذكر أن معنى اسمه بالافرنجية القرنفل الأصفر ، أو المنثور الأصفر ، وأنه مربع القوى ، قرني الثمر ، يحتوى على أنواع كثيرة عطرية مزينة للبساتين ، ومما قاله في الصفات النباتية للنوع المقصود من الخيري أنه نبات جميل استنبت بالبساتين لجماله والرائحة المقبولة لأزهاره ، وساقه متينة تقرب من أن تكون خشبية مبيضة ، وتخرج منها جملة أغصان تصل أحيانا إلى خمسة ديسيمترات ، وأوراقه سهمية ؛ فيها بعض ضيق ، وهى في غاية الكمال ، ومخضرة ، وأحيانا تغطي بوبر يسير ، ويحمل هذا النبات أزهارا لونها أصفر محمر ، وبالزراعة والفلاحة تكتسب نموّا عظيما ؛ ثم بالنظر للألوان ميز البستانيون هذا النبات إلى أصناف كثيرة ؛ وهذا النبات ينبت طبيعة على الحيطان والسقوف والأماكن الحجرية ، أما النمام فهو نوع من النعنع كما سبق في ص 70 من هذا السفر في الكلام على النعنع ؛ فارجع اليه ؛ وفى عمدة المحتاج ج 2 ص 592 أن النمام هو المعروف بالسيسنبر ، وهو مأخوذ من الاسم اللاتيني : سيسنبريون ، وسمى نماما لسطوع رائحته ، فكأنه ينم بريحه على نفسه ؛ وورد في هذا الكتاب نقلا عن ديسقور يدوس أن النمام صنفان : بستانىّ في رائحته شئ من رائحة المرز نجوش ، ويدب على الأرض ، ويضرب فيها عروقا كثيرة ، وله ورق كورق أور يغانس ، وهو الصعتر ، وأغصانه كأغصانه ، إلا انها أشدّ بياضا منه ، ومنه برى ليس يدب في نباته ، بل هو قائم ، وله أغصان دقاق مملوءة ورقا كورق السذاب ، غير أنه أطول وأصلب ، وله زهر حريف المذاق ، تفوح منه رائحة طيبة جدا ، وهو أقوى من البستاني وأصلح في أعمال الطب ؛ انتهى ديسقور يدوس ؛ ثم ذكر المؤلف في صفة هذا النبات أنه نبات صغير منفرش ، وساقه خشبية قليلا في القاعدة ، متفرعة ، وطول فروعها من خمسة قراريط إلى ستة ، وهى نائمة على الأرض ، زغبية قليلا مربعة ، قائمة في جزئها العلوىّ ، والأوراق صغيرة متقابلة منفرجة الزاوية ، كاملة ضيقة من الأسفل ، وهى خالية من الزغب ؛ ثم قال : انه يكثر في الغابات الجافة وبطون الأودية والطرق الخ .