إلى حدائق ملتفّه ، وجداول محتفّه ؛ إذا جمّش النسيم غصونها اعتنقت اعتناق الأحباب ، وإذا فرك من المياه متونها انسابت في الجداول انسياب الحباب « 1 » ، ورقصت في المناهل رقص الحباب « 2 » ؛ وإن لثم ثغور نورها حيّته بأنفاس المعشوق ، وإن أيقظ نواعس ورقها غنّته بألحان المشوق ؛ فنسيمها وان ، وشميمها لعرف الجنان عنوان ، ووردها من سهر نرجسها غيران ، وطلَّها في خدود الورد منبثّ « 3 » وفى طرر الريحان حيران ؛ وطائرها غرد ، وماؤها مطَّرد ؛ وغصنها تارة يعطفه النسيم اليه فينعطف ، وتارة يعتدل تحت ورقائه فتحسب أنها همزة على ألف ؛ مع ما في تلك الرياض من توافق المحاسن وتباين الترتيب ؛ إذ كلَّما اعتلّ النسيم صحّ الأرج وكلَّما خرّ الماء شمخ القضيب .
فكأنّما تلك الغصون إذا ثنت
أعطافها رسل « 4 » الصّبا أحباب
فلها إذا افترقت من استعطافها
صلح ومن سجع الحمام عتاب
وكأنّها حول العيون موائسا
شرب وهاتيك المياه شراب
فغديرها كأس وعذب نطافها « 5 »
راح وأضواء النجوم حباب
تحيط بملق نطافها صاف ، وظلال دوحها ضاف ، وحصاها لصفاء مائها في نفس الأمر راكد وفى رأى العين طاف ؛ إذا دغدغها « 6 » النسيم حسبت ماءها بتمايل الظَّلال فيه يتبرّج ويميل ؛ وإذا اطَّردت عليه أنفاس الصّبا ظننت أفياء تلك الغصون
هامش
« 1 » الحباب ( بالضم ) : الحبة .
« 2 » الحباب ( بالكسر ) : القرط من حبة واحدة .
« 3 » كذا في حسن التوسل . وفى الأصلين : « منبعث » .
« 4 » في صبح الأعشى : « ريح الصبا » .
« 5 » النطاف : جمع نطفة ، وهى القليل من الماء ، وقيل : هي الماء الصافي قل أو كثر .
« 6 » دغدغها : جمشها وزغزغها .