تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
ومبادرة الأوابد التي لا تدرك حتى تبلغ القلوب الحناجر ؛ وذلك من محاسن أوصافهم التي يذمّ المعرض عنها ، وإذا كان المقصود من مثلهم جدّ الحرب فهذه صورة لعب يخرج إليها منها ؛ وتارة تدعوهم إلى البروز إلى الملق « 1 » ، وتحدوهم في سلوك طريقها مع من هو دونهم على ملازمة الصدق ومجانبة الملق ؛ فيعتسفون إليها الدّجى ، إذا سجى ؛ ويقتحمون في بلوغها حرق « 2 » النهار ، إذا انهار ؛ ويتنعّمون بوعثاء السفر ، في بلوغ الظَّفر ؛ ويستصغرون ركوب الخطر ، في إدراك الوطر ؛ ويؤثرون السهر على النوم ، والليلة على اليوم ؛ والبندق على السهام ، والوحدة على الالتئام . ولمّا عدنا من الصيد الذي اتّصل بعلمه حديثه ، وشرح له قديم أمره وحديثه ؛ تقنا إلى أن نشفع صيد السّوانح برمى الصوادح ، وأن نفعل في الطير الجوانح بأهلَّة القسىّ ما تفعل الجوارح ؛ تفضيلا لملازمة الارتحال ، على الإقامة في الرّحال « 3 » ؛ وأخذا بقولهم :
لا يصلح النفس إذ كانت مدبّرة إلَّا التّنقّل من حال إلى حال
فبرزنا وشمس الأصيل تجود بنفسها ، وتسير من الأفق الغربىّ إلى جانب رمسها ؛ وتغازل عيون النّوّار بمقلة أرمد ، وتنظر إلى صفحات الورد نظر المريض إلى وجوه العوّد ؛ فكأنها كئيب أضحى من الفراق على فرق ، أو عليل يقضى بين صحبه بقايا مدّة الرّمق ؛ وقد اخضلَّت عيون النّور لوداعها ، وهمّ الروض بخلع « 4 » حلَّته المموّهة بذهب شعاعها .
هامش
« 1 » الملق : الصفوح اللينة الملتزقة من الجبل ، واحدتها ملقة ، وقيل : هي الآكام المفترشة . « 2 » كذا في صبح الأعشى . وفى الأصلين وحسن التوسل إلى صناعة الترسل : « جرف » . « 3 » كذا في حسن التوسل وصبح الأعشى . والرحال : جمع رحل وهو المنزل والمأوى . وفى الأصلين : « الارتحال » ، وهو تحريف . « 4 » كذا في صبح الأعشى وحسن التوسل . وفى الأصلين : « وهم الروضة فخلع » .