تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
ومن آخر : ورتع في رياض بلاغته التي لم يقتطفهنّ من قبله غارس ولا جان ، واجتلى الحور المقصورات في الطروس التي لم يطمثهنّ « 1 » إنس قبله ولا جانّ ؛ وغنى بتلك المحاسن غنى خيرا من المال ، واعتقد « 2 » فيها كنوزا إذا شاء أنفق منها الجمل ، وإذا شاء أمسك منها الجمال . وقال أيضا : كتاب اشتمل على بديع المعاني وباهرها ، وزخرت بحار الفضل إلا أنني ما تعبت في استخراج جواهرها ؛ بل سبحت حتى تناولتها ، وجنحت إلىّ فما حاولتها ؛ واقتبست من محاسن أوصافه ، وبدائع أصنافه ؛ نكتا استقلت أجسادها بالأرواح ، وزهيت جيادها بما فيها من الغرر والأوضاح ؛ فيا للَّه من بدائع وروائع ، ولطائف وطرائف ! فيها ما تشتهى الأنفس وتلذّ الأعين ، وما يقرّط الأسماع ويقرّط « 3 » الألسن ؛ فكأنه طرف طرف « 4 » صوبه مدرار ، وعلم علم منصوب في رأسه نار ؛ صحّح السحر وإن كان ظنّا ، وفضح الدّرّ إذ كان أبرع معنى ، وأسنى حسنا ، وأدنى مجنى ، وأغنى مغنى ؛ فما ضره تأخير زمانه ، مع تقدّم بيانه ؛ ولا من سبقه في عصره ، مع أنه قد سبق في شعره .
هامش
« 1 » الطمث : الافتضاض ، وبابه نصر وصرب . « 2 » اعتقد : أحرز واقتنى . « 3 » يقرط الأسماع ، أي يحلى به الأسماع كما تتحلى الآذان بالأقراط ، وهو جمع قرط بضم القاف ، وهو ما يعلق من الحلىّ في شحمة الأذن . ( ويقرط الألسن ) من التقريط ، وهو التقطيع ؛ أو هو من تقريط الفرس ، وهو إلجامه ؛ والمراد أن ما في هذا الكتاب من البلاغة يقطع الألسن عن معارضته ويلجم الأفواه عن مساجلته ؛ وفى الأصول : « يفرط » بالفاء الموحدة في كلا اللفظين ؛ وهو تصحيف لا يظهر له معنى . « 4 » كذا في كلا الأصلين ؛ ولم نجد من معاني هاتين الكلمتين ما يناسب سياق ما هنا ؛ ولعل صواب العبارة : « فكأنه قطر قطر » الخ فالأولى مصدر قطر الماء يقطر ، إذا سال . والثانية بمعنى المطر ، كما تدل على ذلك بقية الجملة .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 45 | النويري