ووصف ذو « 1 » الرّمّة لعبد « 2 » الملك بن مروان بالذكاء وحسن الشعر ، فأمر بإحضاره ، فلما دخل عليه أنشده قصيدة أفتتحها بقوله : « ما بال عينك منها الماء ينسكب » وكانت عينا عبد الملك تدمعان دائما ، فظنّ أنه عرّض به ، فغضب وقال : مالك ولهذا السؤال يا بن اللَّخناء ؟ وقطع إنشاده ، وأمر بإخراجه .
ودخل أبو النجم « 3 » على هشام بن عبد الملك وأنشده أرجوزته التي أوّلها :
« الحمد للَّه الوهوب المجزل « 4 » » حتى انتهى إلى قوله يصف الشمس عند الغروب :
« وهى على الأفق كعين الأحول » ، واستدرك سقطة لسانه ، وقطع إنشاده ، وعلم أنها زلَّة ، لأنّ هشاما كان أحول ، فقال له هشام كمّل إنشادك ويلك وأتمم البيت ، وأمر بوجء « 5 » عنقه وإخراجه من الرّصافة « 6 » .
هامش
« 1 » انظر الحاشية رقم 1 من صفحة 74 من هذا السفر .
« 2 » كذا في الأصل ؛ وقد وردت هذه القصة في محاضرات الأدباء للراغب ج 1 ص 118 طبع جمعية المعارف بين ذي الرمة وهشام بن عبد الملك ؛ ويؤيد ذلك أن وفاة عبد الملك كانت في سنة ست وثمانين كما في كتب التاريخ وسن ذي الرمة إذ ذاك تسع سنين فإنه ولد في سنة ثمان وسبعين كما يستفاد من ترجمته في وفيات الأعيان ، فقد ذكر في وفاته ما نصه وكانت وفاته سنة سبع عشرة ومائة رحمه اللَّه تعالى ، ولما حضرته الوفاة قال : أنا ابن نصف الهرم ، أنا ابن أربعين سنة ا ه
« 3 » أبو النجم : هو المفضل ، وقيل : الفضل بن قدامة بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الحارث بن عبدة ينتهى نسبه إلى ربيعة بن عجل بن لجيم ؛ وهو من رجاز الإسلام الفحول المقدّمين ، وفى الطبقة الأولى منهم ، وكان أبلغ في النعت من العجاج انظر الأغانى ج 9 ص 77 طبع بولاق ؛ وكانت وفاته في آخر دولة بنى أمية كما في معاهد التنصيص ص 12 طبع بولاق .
« 4 » كذا في الأصل والأغانى ج 9 ص 80 طبع بولاق ؛ وروايته في معاهد التنصيص ص 9 طبع بولاق : « الحمد للَّه العلى الأجلل » وبعده : « الواهب الفضل الوهوب المجزل » .
« 5 » الوجء : اللكز ، يقال : وجأ عنقه وفى عنقه .
« 6 » يريد بالرصافة : رصافة هشام بن عبد الملك ؛ وهى في غربى الرقة ، بينهما أربعة فراسخ على طرف البرية ؛ بناها هشام لما وقع الطاعون بالشام وكان يسكنها في الصيف ؛ ثم أورد ياقوت بعد هذا الكلام ما يفيد أن الرصافة كانت مبنية قبل الإسلام بدهر ليس بالقصير .