شغلت عن الورى بصرى وسمعي
كأنهما بحبّك مفردان
فهأنا لا أعاين ما بدا لي
سواك ولا أصيخ لمن دعاني
ثم إنّى فارقت الحياة ، وبذلتها راغبا في هواه ؛ ولم أزل كذلك إلى أن ظهرت آثار قربه ، وسرى النسيم عطرا فعلمت قرب ركبه
وأذكرنى ذاك الصّبا « 1 » زمن الصّبا
وما الشوق إلا ما تجدّد بالذكر
فكاد قلبي يطير للقائه ، ولولا تستّره بحجب الفؤاد لخرج من قوّة برحائه ؛ وتذكرت كيف يكون اللقاء والاجتماع ، والرقباء قد أزمعوا على المنع والدّفاع ، وقلت : فارقني على غير رضا ، وجفانى من غير ذنب ، ونآى عنّى من غير وداع ؛ وهأنا في غيابه وحضوره ، وسخطه وسروره ؛ لا أحول عن ودّه ، ولا أرى إلا الوفاء بعهده
هيهات ما وجدى عليك بزائل
فإلام يطنب في الملامة عاذلى
ناشدتك العهد القديم ومنا
بلوى الصّريم وبانه المتمايل « 2 »
هل تعلمنّ سوى هواك وسيلة
تدنى رضاك وقد جهلت وسائلى
أدنيتنى حتى إذا تيّمتنى
بمحاسن ومعاطف « 3 » وشمائل
وبحسن وجه لو تجلَّى في الدجى
سجد الصباح لضوئه المتكامل
ونواظر سحّارة لجفونها
فضل الصناعة « 4 » لا لساكن بابل « 5 »
هامش
« 1 » الصبا بالفتح : ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش ؛ قاله ابن الاعرابى ، وتثنيتها صبوان وصبيان ؛ وهى مؤنثة ، وإنما أراد هنا النسيم فأوردها بالتذكير .
« 2 » عبارة الأصل : « وبانة المتماثلى » وهو تحريف .
« 3 » أراد بالمعاطف : مواضع الانثناء من البدن كالخاصرتين والجيد جمع معطف بفتح الميم وكسر الطاء كما هو قياس اشتقاق اسم المكان من الفعل المكسور العين في المضارع .
« 4 » يريد : صناعة السحر .
« 5 » بابل : اسم ناحية منها الكوفة والحلة ينسب إليها السحر والخمر .