فلم يقنع الدهر لي بذلك ، ولا رضى بالصدّ والعذل والهجر الذي هو أعظم المهالك ؛ حتى قضى بالفرقة والبعاد ، ورمتنى النوى بسهم فلم يخطئ الفؤاد ؛ وكنت أتعلَّل بالنظر ، وأقول : مشاهدة هذا الوجه القمرىّ عندي أكبر وطر ؛ حتى منعت الوصال والمشاهدة ، وندبت قلبي القريح بأدمع عيني الجامده
أحباب قلبي لقد قاسيت بعدكم
نوائبا صيرتني في الهوى مثلا
وقد تعجّبت أنّى بعد فرقتكم
أحيا وأيسر ما لاقيت « 1 » ما قتلا
وانقطعت عنّى الرسائل ، وذهبت لذاذة ما اعتدته من تلك الوسائل
هل مخبر عنكم يعيش بقربه
ميت الرجا والصبر بعد إياس
أحبابنا قسما بساعة وصلنا
لم أكتحل من بعدكم بنعاس
غبتم فعندي بالفراق مآتم
فمتى تعود بعودكم أعراسى
وذوى غصن السرور بعد أن كان رطيبا ، وفقدت لنداء ألمى مجيبا ؛ وأغلقت باب الدّعه ، وأسبلت هواطل أدمعى قائلا للأجفان : لا تخشى فأنت متفقة من سعة ؛ ولولا التعلَّل بالذكرى ، والتأمّل « 2 » في حسنه « 3 » الذي تشكَّل في مرآة القلب فسرّ سرّا ؛ لقلت :
كأنّك قد ختمت على ضميري
فغيرك لا يمر على لساني
ولى عين تراك وأنت تنآى
كما ترنو إليك وأنت دانى
وأقرب ما يكون هواك منّى
إذا ما غاب شخصك عن عيانى
هامش
« 1 » في ديوان أبى الطيب المتنبي ( ما قاسيت ) والمعنى يستقيم عليه أيضا ؛ وهذا صدر بيت له من قصيدة يمدح بها سعيد بن عبد اللَّه بن الحسين الكلابي المنبجى ؛ وتمام البيت :والبين جار على ضعفي وما عدلا« 2 » في الأصل : « والتأمن » بالنون ؛ وهو تحريف .
« 3 » في الأصل : « بحسنه » بالباء ؛ وهو تحريف .