آخر : ولا زالت الدنيا بعدله مخضرّة الوهاد والرّبا ، والآمال بفضله قائلا لها النجح : مرحبا ، والأقدار لنصره مسدّدة السهام مرهفة الظَّبا ، والأيّام لا تعدم من جميل أثره وجليل تأثيره فعلا مطربا ، ووصفا مطيّبا . وجعلت ملكه موصولا بحبل لا يحلّ عقده ، وحرمه محروسا بسيف التوفيق لا يفلّ حدّه . ولا زالت راياته ألسنة تنذر أعداءه بالفرار ، وتبشّر أولياءه بالقرار ، وآراؤه أعلاما عالية المنار واضحة الأنوار . وأنجز له عداته في عداته ، وجعل النصر والتوفيق مصاحبين لآرائه وراياته . وأناله النصر الذي يغنيه عن الحيلة والحول ، وعقد السعد بعرا « 1 » ما يمضيه من الفعل والقول ، وبوّأ أولياءه جنّة من النصر ما فيها غائلة وجنّة من العزّ ما فيها غول . وقصم بمهابته كلّ جبّار عنيد ، وعصم كلّ من يأوى من رجائه إلى ركن شديد . وآتاه من التأييد سلطانا نصيرا ، وجعل جيشه أكثر قوى وأقوى نفيرا . ولا زالت الآمال بسحابه مخضرّة الرّبا والوهاد ، والتأييد بتمكينه مناديا في كلّ ناد ، والدنيا بملكه مسرورة الأسرار « 2 » حالية الأجياد ، والأقدار لأمره متكفّلة بالنفاد « 3 » .
وطرّز بأيامه ملابس السّير ، وأحلّ أمره أعلى هضبات النصر والظَّفر ، وحلَّى أجياد الممالك من عدله وبذله بأشرف الدّرر ، ولا برح القدر يوافق قصوده « 4 » فيقول للقدر :
هامش
« 1 » في الأصل : « يعزى بما » ؛ وهو تحريف .
« 2 » المراد بالأسرار هنا : خطوط الوجه والجبهة ، الواحد سر بكسر السين وضمها ؛ وإنما أسند السرور إليها لظهور أماراته فيها . يقال : برقت أسارير وجهه إذا تهلل من الفرح .
« 3 » كذا في الأصل بالذال المهملة ؛ والذي يستفاد من كتب اللغة أن هذه الكلمة تأتى بمعنى النفاذ بالذال المعجمة : أي الجواز والمضي ؛ فقد جاء في اللسان مادة « نفد » بالمهملة في تفسير حديث ابن مسعود : « إنكم مجموعون في صعيد واحد ينفدكم البصر » ما نصه : يقال : نفدنى بصره إذا بلغني وجاوزنى . ثم قال : وأنفدت القوم إذا خرقتهم ومشيت في وسطهم ، فان جزتهم حتى تخلَّفهم قلت : نفدتهم بلا ألف ا ه ثم ذكر هذا الكلام نفسه بالذال المعجمة في مادة « نفذ » .
« 4 » القصود : جمع قصد ، وهذا الجمع ذكره بعض الفقهاء ، وقد أوضحنا ذلك في الحاشية رقم 2 من صفحة 102 من هذا الجزء فانظره .