جلوسه ، وكان من تيهه أنه إذا أخطأ يمرّ على خطئه تكبرا عن الرجوع ويقول :
نقض وإبرام في ساعة واحدة ، الخطأ أهون منه .
ومنهم من أهلكه الكبر وأذلَّه . كان خالد بن عبد اللَّه بن يزيد بن أسد القسرىّ أميرا على العراق ، وبلغ من هشام بن عبد الملك محلا رفيعا ، فأفسد أمره العجب والكبر ، وأدناه إلى الهلكة ، وعذّب حتّى مات ، وذلك أنه كان إذا ذكر هشام عنده ، قال : ابن الحمقاء ! فسمعها رجل من أهل الشام ، فقال لهشام : إنّ هذا البطر الأشر الكافر لنعمتك ونعمة أبيك وإخوتك ، يذكرك بأسوأ الذّكر ، قال :
لعله يقول : الأحول ، قال : لا ، ولكنّه يقول : ما لا تلتقى به الشّفتان ، قال : لعله يقول : ابن الحمقاء ، فأمسك الشامىّ ، فقال هشام قد بلغني كلّ ذلك عنه ؛ وكان خالد يقول : واللَّه ما إمارة العراق مما تشرّفنى ، فبلغ ذلك هشاما ، فكتب إليه :
بلغني أنك يا بن النصرانية تقول : إن إمارة العراق لا تشرّفك وأنت دعىّ بجيلة القليلة الذليلة ، واللَّه إني لأظن أن أول من يأتيك صيفىّ بن قيس فيشدّ يدك إلى عنقك ، قال خالد بن صفوان بن الأهتم : لم تزل أفعال خالد حتى عزله هشام وعذّبه ، وقتل ابنه يزيد بن خالد ، فرأيت في رجله شريطا قد شدّه به الصّبيان يجرّونه ، فدخلت إلى هشام يوما ، فحدّثته فأطلت ، فتنفّس ، وقال : يا خالد ! كان أحبّ إلىّ قربا وألذّ عندي حديثا منك ، يعنى خالد القسري ، قال : فانتهزتها ورجوت أن أشفع فتكون لي عند خالد يدا ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، ما يمنعك من استئناف الصّنيعة ، فقد أدّبته بما فرط منه ، فقال : هيهات ! إن خالدا أوجف فأعجف ، وأدلّ فأملّ ، وأفرط في الإساءة ، فأفرطنا في المكافأة ، فحلم الأديم ، ونغل الجرح ، وبلغ السّيل الزّبى ، والحزام الطَّبيين ، ولم يبق فيه مستصلح ، ولا للصّنيعة عنده موضع ، عد إلى حديثك .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 374
مساهمون: النويري
ص٣٧٤