تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
بذكر الماء حتى أردفه بالكلا ، وعبتمونى انى قلت : لا يغترّن أحد بطول عمره ، وتقويس ظهره ، ورقة عظمه ، ووهن قوّته ، وأن برى دخله أكثر من رزقه فيدعوه ذلك إلى إخراج ماله من يده ، وتحويله إلى ملك غيره ، أو تحكيم السرف فيه ، وتسليط الشهوات عليه ، فلعلَّه أن يكون معمّرا وهو لا يدرى وممدودا له في السن وهو لا يشعر ، ولعلَّه أن يرزق الولد على اليأس ، وتحدث عليه آفات الكبر ما لا يخطر على باله ، ولا يدركه عقله ، فيستردّه ممن لا يردّه ، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه ، أضعف ما كان عن الطلب ، وأقبح ما كان له أن يطلب ، فعبتمونى بذلك ، وقال عمرو بن العاص : اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا ، واعمل لآخرتك عمل من يموت غدا ، وعبتمونى بأن قلت : إن التلف والتبذير إلى مال المواريث ، وأموال الملوك ، وإن الحفظ إلى المال المكتسب ، والغنى المجتلب ، والى ما يعرض فيه بذهاب الدين ، واهتضام العرض ، ونصب البدن ، واهتمام القلب أسرع ، ومن لم يحسب نفقته لم يحسب دخله ، ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع المال ، ومن لم يعرف للغنى قدره فقد أذن بالفقر ، وطاب نفسا بالذلّ ، وعبتمونى بأن زعمت أن كسب الحلال ، مضمّن بالإنفاق في الحلال ، وأن الخبيث ينزع إلى الخبيث ، وأن الطيّب يدعو إلى الطيّب ، وأن الإنفاق في الهوى ، حجاب دون الحقوق ، وأن الإنفاق في الحقوق حجاب دون الهوى ، فعبتم علىّ هذا القول ، وقد قال معاوية بن أبي سفيان : لم أر تبذيرا قطَّ ، إلا وإلى جنبه حقّ مضيّع ، وقال الحسن : إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب الرجل ماله ، فانظروا في أىّ شئ ينفقه ، فإن الخبيث إنما ينفق في السرف ، وقلت لكم بالشفقة عليكم ، وحسن النظر منّى إليكم ، أنتم في دار الآفات ، والجوائح غير مأمونات ، فإن أحاطت بمال