تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
وقد كان النبىّ صلَّى اللَّه عليه وسلم يخصف نعله ، ويرقّع ثوبه ، ويلطع أصابعه ، ويقول : « لو أهدى إلىّ كراع لقبلت ، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت » وقال صلَّى اللَّه عليه وسلم « من لم يستحى من الخلال ، خفت مؤنته ، وقلّ كبره » . وقالت الحكماء : لا جديد لمن لم يلبس الخلق ، وبعث زياد رجلا يرتاد له محدّثا ، واشترط عليه أن يكون عاقلا ، فأتاه به موافقا ، فقال له : أكنت به ذا معرفة ؟ قال : لا ، ولكنّى رأيته في يوم قائظ ، يلبس خلقا ، ويلبس الناس جديدا ، فتفرّست فيه العقل والأدب ، وقد علمت أن الخلق في موضعه ، مثل الجديد في موضعه ، وقد جعل اللَّه لكل شئ قدرا ، وسمى له موضعا ، كما جعل لكل زمان حالا ، ولكل مقام مقالا ، وقد أحيا اللَّه بالسّم ، وأمات بالغذاء ، وأغصّ بالماء ، وقتل بالدواء ، وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكاسبين ، كما زعموا أن قلَّة العيال أحد اليسارين ، وقد جبر الأحنف بن قيس يد عنز وأمر مالك بن أنس بفرك البعر ، وقال عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه : من أكل بيضة فقد أكل دجاجة ، ولبس سالم بن عبد اللَّه جلد أضحية ، وقال رجل لبعض الحكماء : أريد أن أهدى لك دجاجة ، قال : إن كان لا بدّ ، فاجعلها بيوضا ، وعبتمونى حين قلت : من لم يعرف مواضع السّرف في الموجود الرخيص لم يعرف مواضع الاقتصاد في الممتنع الغالي ، وقد أتيت بماء للوضوء على مبلغ الكفاية ، وأشفّ من الكفاية ، فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء ، وإلى التوفير عليها من وظيفة الماء ، وجدت في الأعضاء فضلا عن الماء ، فعلمت أن لو كنت مكَّنت الاقتصاد في أوائله لخرج أوّله على كفاية آخره ، ولكان نصيب الأوّل كنصيب الآخر ، فعبتمونى بذلك وشنعتموه علىّ ، وقد قال الحسن وذكر السرف : أما إنه ليكون في الماء والكلأ ، فلم يرض