وكان سعيد بن العاصي يقول على المنبر : من رزقه اللَّه رزقا حسنا ، فلينفق منه سرا وجهرا ، حتى يكون أسعد الناس به ، فإنما يترك ما يترك لأحد رجلين ، إما لمصلح ، فلا يقلّ عليه شئ ، وإما لمفسد ، فلا يبقى له شئ . أخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال :
أسعد بمالك في الحياة فإنما
يبقى خلافك مصلح أو مفسد
فإذا جمعت لمفسد لم يغنه
وأخو الصّلاح قليله يتزيّد
وقال أبو ذرّ رضى اللَّه عنه : لك في مالك شريكان ، الحدثان ، والوارث ، فإن استطعت أن لا تكون أبخس الشركاء حظَّا فافعل . وقال بزرجمهر الفارسىّ :
إذا أقبلت عليك الدنيا ، فانفق منها ، فإنها لا تفنى ، وإذا أدبرت عليك ، فانفق منها ، فإنها لا تبقى ؛ أخذ الشاعر هذا المعنى فقال
لا تبخلنّ بدنيا وهى مقبلة
فليس ينقصها التبذير والسّرف
وإن تولَّت فأحرى أن تجود بها
فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف
وكان كسرى يقول : عليكم بأهل السخاء والشجاعة ، فإنهم أهل حسن ظنّ باللَّه ، ولو أن أهل البخل ، لم يدخل عليهم من ضرّ بخلهم ، ومذمّة الناس لهم ، وإطباق القلوب على بغضهم ، إلا سوء ظنّهم بربهم في الخلف ، لكان عظيما ؛ أخذه محمود الورّاق فقال
من ظنّ باللَّه خيرا جاد مبتدئا
والبخل من سوء ظنّ المرء باللَّه
وقيل لأبى عقيل البليغ العراقىّ : كيف رأيت مروان بن الحكم عند طلب الحاجة اليه ؟ قال : رأيت رغبته في الإنعام ، فوق رغبته في الشكر ، وحاجته إلى قضاء الحاجة ، أشدّ من حاجة صاحبها .