تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
ويمشى بجانبها أربع كأنها نعامة حولها رئالها ، فقام إلى فرسه ، فوجأ لبّته بمدية ، فخر ، ثم كشط عن جلده ، ودفع المدية إلى المرأة ، وقال : شأنك ، فاجتمعنا على اللحم نشوى ، ونأكل ، ثم جعل يأتيهم بينا بيتا ، فيقول : هبّوا عليكم بالنار ، والتفع بثوبه ناحية ينظر الينا ، لا واللَّه إن ذاق منه مضغة وإنه لأحوج اليه منّا ، فأصبحنا وما في الأرض إلا عظم أو حافر . وقيل : كان مبدأ الأمر لحاتم في الجود ، أنه لما ترعرع ، جعل يخرج طعامه فإن وجد من يأكله معه أكله ، وإن لم يجد طرحه ، فلما رأى أبوه ، أنه يهلك طعامه ، قال له : ألحق بالإبل ، فخرج إليها ، فوهب له جارية ، وفرسا وفلوها . وقيل : بل هلك أبو حاتم وهو صغير ، وهذه القصّة كانت مع جدّه سعد بن الحشرج ، فلما أتى حاتم الإبل ، طفق يبتغى الناس ، فلا يجدهم ، ويأتي الطريق ، فلا يجد عليه أحدا ، فبينا هو كذلك ، إذ بصر بركب على الطريق ، فأتاهم ، فقالوا : يا فتى ، هل من قرى ؟ فقال : تسألونني عن القرى ؟ وقد ترون الإبل ! وكان الذي بصر بهم ، عبيد ابن الأبرص ، وبشر بن أبي خازم ، والنابغة الذّبيانىّ ، وكانوا يريدون النعمان ، فنحر لهم ثلاثة من الإبل ، فقال عبيد : إنما أردنا اللبن ، وكانت تكفينا بكرة ، إن كنت لا بدّ متكلَّفا لنا شيئا ، فقال حاتم : قد عرفت ، ولكن رأيت وجوها مختلفة ، وألوانا متفرّقة ، فظننت أن البلدان غير واحد ، فأردت أن يذكر كلّ واحد منكم ما رأى ، إذا أتى قومه فقالوا فيه أشعارا امتدحوه بها ، وذكروا فضله ، فقال حاتم : أردت أن أحسن إليكم ، فصار لكم الفضل علىّ ، وإني أعاهد اللَّه أن أضرب عراقيب إبلي عن آخرها ، أو تقوموا إليها فتقتسموها ففعلوا ! فأصاب كل واحد تسعا وثلاثين بعيرا ، ومضوا على سفرهم إلى النعمان ، وأن أبا حاتم أو جدّه ، سمع بما فعل ، فقال :
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 209 | النويري