إذا اجتمعت بها فلا تحدث شيئا حتّى آتيك ! فلما اجتمع أتاه ، فقال : يا بنىّ لا يضعنّ منها عندك مراسلتها إيّاك ، وليست في حبالك ! فإني أنا أمرتها بذلك . وهى أعظم الناس منّة عليك ، بما دعتك إليه من طلب الحكمة والتخلق بأخلاق الملوك ، حتّى بلغت الحدّ الذي تصلح معه للملك بعدى . فزدها من التشريف والإكرام بقدر ما تستحق منك ! ففعل الفتى ذلك ، وعاش مسرورا بالجارية ، وعاش أبوه مسرورا به ، وأحسن ثواب أبيها ، ورفع مرتبته وشرفه بصيانة سره وطاعته ، وأحسن جائزة المؤدّب ، وعقد لابنه على الملك من بعده .
قال اليمان : ثم قال لنا ذو الرياستين : سلوا الشيخ الآن : لم حملكم على العشق ؟
فسألناه : فحدّثنا بحديث بهرام جور وابنه .
فهذا ممن ارتفع بالهوى وترقّى بسببه إلى مرتبة الملك .
وحكى ابن الجوزىّ أيضا ، قال : حدّث القاسم بن محمد النّميرىّ ، قال : ما رأيت شابا ولا كهلا من ولد العباس أصون لنفسه ، وأضبط لجأشه وأعفّ لسانا وفرجا من عبد اللَّه بن المعتزّ ! وكان ربما عبثنا بالهزل في مجلسه ، فجرى معنا فيه فيما لا يقدح به عليه قادح . وكان أكثر ما يشغل به نفسه سماع الغناء ، وكان كثيرا ما يعيب العشق ، ويقول : هو ضرب من الحمق ! وكان إذا رأى منا من هو مطرق أو مفكَّرا تهمه بالعشق ويقول : وقعت واللَّه يا فلان ! وقلّ عقلك وسخفت ! إلى أن رأيناه ، وقد حدث به سهو شديد ، وفكر دائم ، وزفير متتابع ، وسمعناه ينشد أشعارا منها :
مالي أرى الثّريّا
ولا أرى الرّقيبا ؟
يا مرسلا غزالا ،
أما تخاف ذيبا ؟