تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
وعن سفيان قال : قال عيسى عليه السلام : « إيّاكم والنظر ! فإنّه يزرع في القلب الشهوة ، وكفى بها لصاحبها فتنة ! » . وقال الحسن البصرىّ : من أطلق طرفه ، أطال أسفه . وقال ذو النون : اللَّحظات تورث الحسرات : أوّلها أسف ، وآخرها تلف . فمن تابع طرفه ، تابع حتفه . وقال حكيم : أوّل العشق النظر ، وأوّل الحريق الشّرر . وقال أبو الفرج بن الجوزىّ : البصر صاحب خبر القلب . ينقل إليه أخبار المبصرات ، وينقش فيه صورها ، فيجول الفكر فيها فيشغله ذلك عن الفكر فيما ينفعه من أمر الآخرة . فاحذر من شر النظر ! فكم أهلك من عابد ، وفسخ عزم زاهد ! وهو سبب الآفات ، إلا أن علاجه في بدايته قريب . فإذا كرر تمكن الشرّ فصعب علاجه . فإن النظرة إذا أثّرت في القلب ، فإن أعجل الحازم بغضها وحسم المادّة من أوّلها سهل علاجه ، وإن كرر النظر نقّب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب متفرّغ ونقشها فيه . فكلما تواصلت النظرات كانت كالمياه تسقى بها الشجرة ، فلا تزال تنمو فيفسد القلب ، ويعرض عن الفكر فيما أمر به ، ويخرج بصاحبه إلى المحن ، ويوجب ارتكاب المحظورات ، ويلقى في التلف . وقد أكثر الشعراء في وصف ما يحدثه النظر من البلايا ، فمن ذلك ، قول الفرزدق :
تزوّد منها نظرة لم تدع له فؤادا ، ولم يشعر بما قد تزوّدا . فلم أر مقتولا ولم أر قاتلا بغير سلاح مثلها حين أقصدا .